يختلف عمّا سلكه الآخر لدفع هذا الإشكال ، ولا يخفى أنّ الإشكال يزداد تعقيداً بناءً على مسلك قبح العقاب بلا بيان الذي يقرّر ثبوت الحجّية للقطع عقلاً بنحو التنجيز لا التعليق ، فهي تأبى الانفكاك عنه ؛ لرجوعه إلى التخصيص في الحكم العقلي . قال الشهيد الصدر قدّس سرّه : « إنّ حجّية غير العلم مناف مع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ، لأنّ غير العلم لا يخرج عن كونه غير العلم مهما جعلت له الحجّية شرعاً أو عقلائياً ، فيكون العقاب في مورده عقوبة بلا بيان ، والأحكام العقلية لا تقبل التخصيص » [1] . ومن هنا أشكل المحقّق النائيني قدّس سرّه على مسلك جعل المنجزية لصاحب الكفاية بأنّه ممتنع عقلاً ؛ ضرورة أنّ المنجزية لا تثبت إلاّ للبيان التامّ عقلاً ، وعليه يكون ثبوتها للحكم الظاهري تخصيصاً في الحكم العقلي ، وهو مستحيل . استناداً لذلك حاولت مدرسة المحقّق النائيني التخلّص من الإشكال المذكور من خلال القول بأنّ جعل الحجّية للحكم الظاهري معناه التخصّص والخروج الموضوعي عن الحكم العقلي بقبح العقاب بلا بيان ، وذلك عن طريق اعتبار الظنّ علماً الذي يقرّره مسلك جعل الطريقية والكاشفية الذي تبنّته هذه المدرسة وهو يقتضي ترتيب أحكام العلم على الظنّ المعتبر ومن جملتها الحجّية [2] .
[1] بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 4 ص 188 . [2] فوائد الأصول ، من إفادات قدوة الفقهاء والمجتهدين الميرزا محمّد حسين الغروي النائيني ، تأليف الأصولي المدقّق والفقيه المحقّق الشيخ محمّد علي الكاظمي الخراساني ، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة ، الطبعة الثامنة ، 1424 ه : ج 3 ص 17 - 18 .