وعلى هذا البيان ، فالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع هي موضع البحث في هذه المسألة . مقدمة الواجب من أي قسم من المباحث الأصولية ؟ وإذا اتضح ما تقدم في تحرير النزاع نستطيع أن نفهم أنه في أي قسم من أقسام المباحث الأصولية ينبغي أن تدخل هذه المسألة . وتوضيح ذلك : إن هذه الملازمة - على تقدير القول بها - تكون على أنحاء ثلاثة : إما ملازمة غير بينة ، أو بينة بالمعنى الأعم ، أو بينة بالمعنى الأخص ( 1 ) . فإن كانت هذه الملازمة - في نظر القائل بها - غير بينة أو بينة بالمعنى الأعم ، فإثبات اللازم - وهو وجوب المقدمة شرعا - لا يرجع إلى دلالة اللفظ أبدا بل إثباته إنما يتوقف على حجية هذا الحكم العقلي بالملازمة . وإذا تحققت هناك دلالة فهي من نوع دلالة الإشارة ( 2 ) . وعلى هذا فيجب أن تدخل المسألة في بحث الملازمات العقلية غير المستقلة ، ولا يصح إدراجها في مباحث الألفاظ . وإن كانت هذه الملازمة - في نظر القائل بها - ملازمة بينة بالمعنى الأخص ، فإثبات اللازم يكون لا محالة بالدلالة اللفظية ، وهي الدلالة الالتزامية خاصة . والدلالة الالتزامية من الظواهر التي هي حجة . ولعله لأجل هذا أدخلوا هذه المسألة في مباحث الألفاظ وجعلوها من مباحث الأوامر بالخصوص . وهم على حق في ذلك إذا كان القائل
( 1 ) راجع عن معنى الملازمة وأقسامها الثلاثة الجزء الأول من المنطق للمؤلف ص 104 من طبعتنا الحديثة . ( * ) راجع دلالة الإشارة الجزء الأول ص 188 ، فإنه ذكرنا هناك أن دلالة الإشارة ليست من الظواهر ، فلا تدخل في حجية الظهور ، وإنما حجيتها - على تقديره - من باب الملازمة العقلية .