وغالى فيها الطوفي ، وهو من علماء الحنابلة [1] ، فاعتبرها الدليل الشرعي الأساس في السياسات الدنيوية والمعاملات ، وقدمها على ما يعارضها من النصوص عند تعذر الجمع بينها [2] . بينما ذهب الشافعي ومن تابعه : " إلى أنه لا استنباط بالإستصلاح ، ومن استصلح فقد شرع كمن استحسن ، والإستصلاح كالإستحسان متابعة للهوى " [3] . وللغزالي وهو من الشافعية تفصيل فيها فهو يرى أن " الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل إلا أنه يجري مجرى وضع الضرورات ، فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد ، وإن لم يشهد الشرع بالرأي فهو كالإستحسان ، فإن اعتضد بأصل فذلك قياس . أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد ، وإن لم يشهد له أصل معين ، ومثاله أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين ، فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين ، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا ، وهذا لا عهد به في الشرع ، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ، ثم يقتلون الأسارى أيضا ، فيجوز أن يقول قائل : هذا الأسير مقتول بكل حال ، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع ، لأنا نعلم أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل ، وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة لا بدليل واحد وأصل معين ، بل بأدلة خارجة عن الحصر ، ولكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين ، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس
[1] مصادر التشريع ، ص 80 . [2] مصادر التشريع ، ص 81 وما بعدها . [3] مصادر التشريع ، ص 74 .