إنّ تلك الممارسات والمقارنات
أوجدت ميداناً خصباً للصراع الفكري بين الثقافة الغربية بشعاراتها البراقة،
وتجربتها الجديدة، وبين الثقافة الإسلامية بتجربتها العثمانية، وتكالُب الأعداء من
الخارج ضدها، هذا التنافس الاستعماري اقترن مع التخلف العام في الوعي الاستقلالي
لدى الأمة - من الداخل - «ومنذ النصف
الثاني من القرن التاسع عشر، أخذت هذه البعثات تنشط بشكل ملحوظ في: مجال طباعة
الكتب الدينية باللغة العربية والكلدانية والفرنسية ونشرها، وكان أول مطبوع طبع في
مطبعة الدومينيكان في الموصل هو (رياضة درب الصليب)، ثم تتابع تأسيس المطابع ونشر
الكتب الدينية وتأسيس المدارس الحديثة، وقد أسست الراهبات، المعروفات بـ(أخوات
المحبة) عام (1873م،1291هـ)، أول مدرسة في الموصل للبنات المسيحيات والمسلمات على
السواء»([156]). وقد أسست بإشراف الاتحاد الإسرائيلي
العالمي عدة مدارس ابتدائية لليهود، في بغداد والبصرة والموصل والعمارة وفي
(1913م،1331هـ) أسست مدرسة خانقين، بالإضافة إلى المراكز الثقافية والصحية الهادفة
ضمن التخطيط الدولي، للاستيلاءوالاستعمار.
وكان دخول
البريطانيين للعراق تحت شعارات الخلاص والتحرر من الدولة العثمانية وآثارها، وقد
وُظّف الإعلام في المعركة، وذلك بتضخيم أسباب الاستياء من السلطات العثمانية
لتمرير المؤامرة على عموم الناس([157]).
من هنا ندرك أهمية استغلال العامل الثقافي والإعلامي، في تعبيد الطريق لغرض النفوذ
البريطاني من ثَمَّ للسيطرة الاقتصاديةوالسياسية.
إنّ الأمة
عندما تصاب بالاهتزاز الفكري عبر التشكيك بمبادئها وقدراتها في بناء الحياة، وذلك
من خلال التجربة القائمة، تعيش هزيمة نفسية أمام بريق الشعارات الجديدة من
المستعمرين، وأنها - في ذلك الظرف-، تعاني من ضعف الوعي العام للتصدي عن قناعة
لتلك المؤامرة. وهكذا كلّما تأخر العلاج الجذري تتكرّس حالة الانهزامية وعدم الثقة
في النفوس، إثر تكثيف عملية دسّ السموم المخدرّة داخل الأمة، مـمّا يسهّل عملية
الاختراق المعادي، وبالمقابل يكلّف المهمة الإنقاذية جهوداًمضاعفة.
ب. البعد الإقليمي
من الصعب -
أحياناً - فصل المؤثرات الدولية عن الإقليمية في