وفي نظرنا إن الخطأ الذي وقع فيه الدكتور
وميض هو عدم فهمه لطبيعة موقع المرجعية الدينية، فإن هذا الموقع - أي موقع المرجع
الأعلى - على درجة كبيرة من المسؤولية الشرعية أمام الله تعالى والأمة، فالمراجع
الكرام يدرسون الظروف الموضوعية للأمة بدقّةٍ عاليةٍ، ويحدّدون وظيفتهم الشرعية
على ضوء اجتهادهم بالمسألة، كما أنهم يتدارسون الفتاوى المفصلية والمصيرية في حياة
الأمة مع مستشاريهم بأعلى درجات الوعي والتقوى والإخلاص للإسلام وللأمة
الإسلاميةوللوطن.
20-
وأخيراً أدعو نفسي والقرّاء الكرام إلى اتخاذ منهج الموضوعية الحيادية في قراءة
التاريخ في المرحلة التأسيسية - كما سميناها-، وذلك لأن عملية الكشف والتنقيب عن
تاريخيّة المرحلة بحاجة إلى عمليات رفع الانقاض المتراكمة على حقائق مدفونة بفعل
العوامل السياسية والأيدلوجية التي سعت لكتابة التاريخ بطريقة مختلفة، وهذه
الممارسات استمرت لعدة عقود متتالية، وبالفعل طُمست آثارٌ وزُيّفت وقائع، وأصطُنعت
أحداث، لغرض إبراز وقائع التاريخ بتشكيلة هجينة تغذّي النظرية
السياسيةالجاهزة.
ولقد
ضُخّمت أدوار، وزُخرفت أحداث، فأصيب التاريخ العراقي الحديث بمرض الانتفاخ المشبوه
الذي لا يحمل مضموناً واقعياً يشكل امتداد الحضارة العريقة، وأمام ظاهرة الانتفاخ
السياسي برزت حالة الضمور القسري للمحركين الأساسييّن للنهضة والثورة، فتمّ إقصاء
صنّاع التاريخ أحياناً، وأحياناً أخرى تمّ إلغاؤهم عن الساحة الفعلية، وهم العلماء
المجتهدون الذين قادوا الحركة الاستقلالية في العراق بكلّ نزاهةٍ وشجاعةٍ وتضحيةٍ.
ويمكنني القول بأن عملية إسدال الستار على جهاد الشعب بقيادة العلماء في حركة
الجهاد عام 1914م، وفي ثورة العشرين، قد تـمّت ظلماً وعدواناً، وذلك للقضاء على ما
تشكل تلك التجربة التحررية من دلالات مبدئية وإنجازات ثورية خافوا من إظهارها
للأجيال، لأنها الدافع للثورة ضدهم، ولعل البعض أسدل هذا الستار على جهاد الشعب في
وقت غفل فيه عن ذكر سياسة القمع والإرهاب ولغة النار والحديد والدمار في ممارسات