بقي الملك بوجهه اللين، وبأسلوبه الدبلوماسي
الهادئ، يعالج المسألة بروحٍ مطاطية عالية، وإنه ما قطع شعرة معاوية مع العلماء
المنفيين وبقية الإسلاميين، إنما كان يدسّ السمَّ بالعسل أثناء حواراته «ورغم أن
حكومة السعدون اتفقت والمسؤول البريطاني على أن من الأفضل إرجاء ذلك إلى ما بعد
إتمام الانتخابات، وعقد المجلس التأسيسي، فإن الاهتمام الذي أبداه الإنكليز بالأمر
كان يعكس مدى المخاوف التي ساورتهم من تفاعلات ردود الفعل في إيران على هذا
الإبعاد»([1346]).
ففي تلك
المرحلة نشطت المراسلات فيما بين الملك والعلماء المنفيين، وآستطاع الملك بأسلوبه
الخاص أن ينتزع الفتيل من صاعق الانفجار عند العلماء المراجع، وذلك بإلقاء مسؤولية
هذه الأحداث على إجراءات رئيس الحكومة السعدون، وأوعدهم الملك في مراسلاته بإسقاط
حكومته وتشكيل حكومة برئاسة رجل شيعي!! مؤكداً عودتهم إلى العراق، والسعي الحثيث
على إلغاء المعاهدة البريطانية - العراقية([1347]).
وكما قلنا لقد «اعتمد النظام على (تكتيك) معين هو سياسة الوجهين (العنف واللين)..
وكان يمثل الوجه الأول البشع دائماً رؤساء الوزارات المختلفون.. أما الوجه الثاني
الجميل، فقد كان يمثله الملك الذي كان يجهد باستمرار على الظهور بمظهر الوطني
والمخلص ومحب الشعب وربما المعادي للاستعمار..»([1348]).
وعلى ضوء مراسلات الملك ووعوده، بعث العلماء إلى وكلائهم في العراق بتجميد فتاواهم
المحرمة للانتخابات، وذلك لتعهدات الملك بالاستجابة لمطاليب الأمة، كما وطلبوا من
وكلائهم عدم نشر هذا التطور لديهم، ليروا تنفيذ الملك لتعهداته([1349]).
هذا من جهة ومن جهة أخرى استمرت المباحثات من وراء الستار بين الحكومتين الإيرانية
والعراقية ومَن ورائهما الإدارة البريطانية، إلى أن تمت الموافقة على عودة العلماء
في أوائل شباط 1924م الموافق أواخر جمادى الثانية 1342هـ، وذلك بشرط تقديم
تعهداتهم الخطية بعدم تدخلهم في الشؤون السياسية للعراق، ومما يذكر أن الموافقة
حصلت لجميع العلماء باستثناء الإمام الخالصي([1350])،
وكانت خطة الشيخ الخالصي