عن حماقة استفتاء الناس عن رأيهم في مستقبل
البلاد، حيث أن ذلك كان سبباً للاضطراب والقلاقل، ولم تخمد سورة الفتن في المدينة
بعد..»([1016]).
وللعلم إن هذا التطبيل الإعلامي إلى جانب شخصية (كوكس) ومشروعه في تشكيل الحكومة
الجديدة، لم يحقق إلا تنازلاً شكلياً في الصورة الإدارية للعراق، وإن هذا التنازل
الظاهري يعدّ من ثمار ثورة العشرين، إنما تم إجراؤه حرصاً من بريطانياً على
مصالحها عبر إحكام قبضتها على العراق من الداخل، وبذلك تضمن سلامة استثمارها
الاقتصادي والسياسي في العراق، بل تضمن الأرض الصالحة لتمرير مخططاتها في المنطقة،
تلك الأرض التي تتمتع بموقع جغرافي مهم بالنسبة للطيران والمواصلات البرقية،
بالإضافة للأهمية السياسية الدقيقة للعراق حيث «إن السيطرة البريطانية على بغداد
شأنها أن تعزز مركزها ووضعها في المنطقة، وأن تسهل عليها أمر تحقيق سياستها في
إيران. ونحن إذا تذكرنا هذا الأمر يسهل علينا.. أن ندرك حرص الحكومة البريطانية
على تهدئة العراق، وعلى إقامة حكومة وطنية تتستر وراءها، حكومة تتعهد بالاعتراف
بالمصالح البريطانية في العراق بموجب اتفاقية يوقّع عليها من الجانب البريطاني»([1017]).
ومن هنا نؤكد ما ذهبنا إليه، بأن الإدارة البريطانية استخدمت الخيارين المختلفين
في الأسلوب ولكنهما - في الحقيقة - متفقان في الجوهر المحروز بالخيارين معاً، ألا
وهو تكريس الوجود البريطاني في العراق، وعليه ففي «الواقع، أنه لم يكن هناك من فرق
جوهري بين آراء (ولسن) و(كوكس)، وإنما كان الفارق الطفيف بينهما يقع في الأسلوب
الستراتيجي الذي ستنفذ بموجبه، فقد أبدى (كوكس) تفهّماً أفضل لإباء النفس العربية
واعتزازها، والواقع أنه كان يأمل الاستفادة والانتفاع بهذا الإباء وبهذا الشمم
لمصلحة الوجود البريطاني ونفوذه في العراق. إذا كان العرب يريدون حكومة عربية،
فليكن لهم ما يريدون طالما أن السلطة الحقيقة في العراق ستبقى في أيدٍ إنكليزية.
بهذه الروح وبهذه النية راح (كوكس) يتخذ الخطوات الرسمية لإعلان تشكيل مجلس دولة»([1018]).
والمسألة