إن تلك
المظاهرة الاحتجاجية الوطنية ضد الوجود البريطاني المحتل، شكلّت صورة التحدي
الوطني العام، فقد اشترك فيها الكبير والصغير، المثقف والعامل، من كل مكونات شعب
العراق، وقدّم المتظاهرون درساً مهماً لسلطة الاحتلال، في أن مشروع بناء الوطن
المستقل ليس شعاراً لفظياً فقط، وإنما هو هدف العراقيين وطموحهم الذي يفدونه
بالروح والدم. وبالفعل حينما تطورت الاحتجاجات إلى مصادمات بالأيدي والأكف، آنبرى
المواطن الكربلائي النجّار بفأسه ليحطم جبروت المحتلين فهجم على إحدى سياراتهم
العسكرية، وضربها فآصطدم بها فسقط ينزف دمه وهو يهتف بشعار الاستقلال، وهكذا قدّم
نفسه أول شهيد في المواجهة الوطنية لتتعثر سيارات ومصفحات المستعمرين بجسده وتبقى
أرضه طاهرة من المعتدين المحتلين يقول عباس النصراوي في مذكراته: «حدثت مصادمة
عنيفة ذهب ضحيتها رجل أخرس من أهالي كربلاء، يمتهن النجارة واسمه عبد علي عبد
الرحيم الكعبي، هجم على السيارة المدرّعة بفأسه، وقد دهسته السيارة فمات شهيداً..
صار عنواناً للجهاد والاستشهاد في سبيل الوطن»([837]).
ويقول السيد الحسني: إن هذا الرجل الكربلائي أصيب «بطلق ناري.. وقيل بل دهسته إحدى
المصفّحتين، فأكبر الأهلون موته، وشيّعوه إلى مرقده في اليوم التالي بمظاهرة وطنية
كبرى تحدّوا فيها السلطة.. (شهيد الوطن الأول) كما سمي الأخرس»([838]).
ولذلك آجتمع الناس في جامع الحيدر خانه، وارتقى المنبر
علي البازركَان، طالباً من الناس موقفهم في انتخاب خمسة عشر مندوباً يتحدث باسمهم
للسعي لاطلاق سراح (عيسى)، فتمت الموافقة عليهم([839]).