أما على ضوء المكتسبات
السياسية والإدارية، فإن الشيعة العراقيين كانوا هم المرشحون للاتفاق مع الإنكليز،
بل لاستقبالهم في العراق وذلك للتخلص من الاضطهاد التركي من جهة ومن جهة أخرى
للحصول على مكتسبات خاصة من الوضع الجديد. بينما جرت الأحداث على عكس هذه التوقعات
ومن المؤكد كانت صدمة البريطانيين كبيرة حينما شاهدوا قوافل الجهاد من عشائر
الشيعة ورجال المدن الشيعيّة تحت قيادة علمائهم في مواجهتهم بساحات القتال. نعم
والذي حدث هو أن المستفيدين من العهد العثماني سياسياً وإدارياً هم الذين عرضوا
إمكانياتهم وخدماتهم للمحتلين ليستفيدوا كذلك من الوضع الجديد، ومن أبرز الأمثلة
على ذلك هو عبد الرحمن الكيلاني النقيب بينما وقف علماء المسلمين الشيعة مع
امتداداتهم الشعبية يسطّرون بمواقفهم وإمكانياتهم ودمائهم أروع صور الاستقامة
والمبدئية والتضحية، وبالفعل قدّموا صوراً من التضحيات الجسيمة التي حفرت لها
مواقع مشرقة في عمق الذاكرة والتاريخ، تتناقلها الأجيال، جيل بعدجيل.
فمثلاً كان
ينفق السيد محمد سعيد الحبوبي من أمواله الخاصة على المجاهدين في الجبهة، وحينما
عرض عليه القادة العثمانيون مبلغاً رفض استلامه قائلاً لهم: «إني مكلّف بالتضحية
في مالي ونفسي، فإذا نفذ المال بقيت نوبة النفس، اعتبروني جندياً من الجند، آكل
مما يأكلون، وأشرب مما يشربون، وجهاد النفس أفضل، لا، لاأقبل درهماً واحداً، وقائد
الجيش أعرف بمواقع الصرف، ولا أسمح لكل أحد أن يفاتحني بهذا الشأن»([553]).
وهكذا كانت
مواقف أبناء العشائر، فإنهم اعتمدوا على وضعهم الخاص في سبيل المقاومة. «وكان بعض رجال
القبائل يبيعون ما لديهم من متاع وأثاث.. لكي يبتاعوا بثمنه سلاحاً، إطاعة للفتوى
التي أصدرها المجتهد الأكبر، ولم تكن الحرب آنذاك حرباً دوافعها قضايا قبلية، بل
كانت حرباً دوافعها دينية، كانت حرباً واجبةً»([554]).