اجتمع في ضيافة سكينة بنت الحسين عليهما السلام، جرير، والفرزدق، وكثير، وجميل، ونصيب؛ فمكثوا أيّاماً، ثمّ أذنت لهم فدخلوا عليها، فقعدت حيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم، ثمّ أخرجت وصيفة لها وضيئة وقد روت الأشعار والأحاديث، فقالت: أيّكم الفرزدق؟ فقال لها: ها أنذا، فقالت: أنت القائل:
هما دلتاني من ثمانين قامةً
كما انحط بازٍ أقثم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا
أحيّ فيرجى أم قتيل نحاذره
فقلت ارفعوا الأمراس لا يشعروا بنا
وأقبلت في اعجاز ليل أبادره
أبادر بوابين قد وكلا بنا
وأحمر من ساج تبص مسامره
فقال: نعم، فقالت: فما دعاك على إفشاء سرّها وسرّك؟ هلاّ سترتها وسترت نفسك؟ خذ هذه الألف، والحق بأهلك([54]).
وفي رواية أخرى لأبي الفرج عن أبي الزناد: أنّ الفرزدق لمّا قال ها أنذا: قالت: أنت الذي تقول:
أبيت أمنّي النفس أن سوف نلتقي
وهل هو مقدور لنفسي لقاؤها
فإن ألقها أو يجمع الدهر بيننا
ففيها شفاء النفس منها وداؤها
[54] الأغاني: ج16، ص169 ــ 170.