قال شعيب([363]): لقد تأملت ذلك، وبحثت فيه فرأيت أن لحب المال منبعان كلاهما يملأ
القلب بالوله بالمال.
قال
الرجل: فما أولهما؟
قال
شعيب: أولهما حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل، فإن الإنسان
لو علم أنه يموت بعد يوم ربما كان لا يبخل بما له، إذ القدر الذي يحتاج إليه في
يوم أو في شهر أو في سنة قريب، وإن كان قصير الأمل ولكن كان له أولاد أقام الولد
مقام طول الأمل، فإنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه فيمسك لأجلهم، ولذلك قال (ص): (الولد مبخلة مجبنة مجهلة)([364])، فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر وقلة الثقة بمجيء الرزق قوي تمسكه بالمال
لا محالة.
قال
الرجل: عرفت الأول، فما الثاني؟
قال
شعيب: الثاني، أن يحب عين المال؛ فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره إذا اقتصر
على ما جرت به عادته بنفقته، بل يزيد على ذلك آلافا مؤلفة، وهو شيخ بلا ولد، ومعه
أموال كثيرة، ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة، بل قد لا تسمح نفسه بمداواة نفسه عند
المرض، بل صار محباً للدنانير عاشقاً لها يلتذ بوجودها في يده وبقدرته عليها،
فيكنزها تحت الأرض وهو يعلم أنه يموت فتضيع أو يأخذها أعداؤه، ومع هذا لا تسمح
نفسه بأن يأكل أو يتصدق منها بحبة واحدة.
وهذا
مرض للقلب، علاجه عسير لا سيما في كبر السن، بل هو مرض مزمن لا يرجى علاجه..