ثم جاءت الشرطة، وساقت من تشاء إلى سجونها
ومعتقلاتها.. وجاء معها الممرضون والأطباء، فحملوا تلك الجثث المشوهة، وكأنهم
يحملون أكواما من الطين.
أثر
في ذلك المشهد تأثيرا كبيرا.. فقد رأيت الإنسان فيه لا يختلف عما أراه من بعوض
وذباب وخنافس..
في
ظلال تلك الآلام قيض الله لي من علمني أسرار التثاقل، وأسرار الترفع عنها.
قلت:
من هو؟
قال:
رجل من أهل الله كان اسمه (يوسف).. وقد آتاه الله من الجمال والوقار ما يأسر
الأبصار.. وآتاه معها من العلم والحكمة ما يأسر البصائر.
ربت
على كتفي في ذلك الحين، وقال: أتعرف هؤلاء؟
قلت:
لا.. ولكني متألم ألما شديدا لما نزل بهم.
قال:
هؤلاء هم إخواني.. وقد نزل بهم حبهم للأرض، وتثاقلهم إليها إلى ما رأيته.
قلت:
عجبا.. أيمكن لمن هو في رقتك وصفائك أن يكون له إخوانا مثل هؤلاء؟
قال:
ألم يكن ليوسف من الإخوة من كان يحمل تثاقل هؤلاء؟
قلت:
بلى.. وقد قص القرآن الكريم علينا خبرهم.. لقد وصل بهم الأمر إلى الحد الذي عزموا
فيه على قتل أخيهم.. قال تعالى :﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ
لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا
مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا
يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ
بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا