أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب
الناس إلي)([96])
وحدث أنس عن
أثر ذلك العطاء، فقال:(إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون
الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها) ([97])
قلت: ولكن..
ألم يهز ذلك أولئك المؤمنين البسطاء الذين قضوا حياتهم كلها جهادا وتضحية مع رسول
الله (ص)؟
قال: لقد وجد
بعضهم من ذلك، لكنه ما إن بين لهم رسول الله (ص) سر
ذلك التفضيل حتى راحوا يسلمون لرسول الله (ص) تصرفه..
قلت: وما قال
لهم؟
قال: سأحدثك
بالحديث من أوله.. لقد حدث جمع من الصحابة([98]) أن
رسول الله (ص) أصاب غنائم حنين، وقسم للمتألفين من قريش وسائر
العرب ما قسم، فوجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثر فيهم القالة حتى قال
قائلهم: يغفر الله تعالى لرسول الله (ص) إن
هذا لهو العجب يعطي قريشا، ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، إذا كانت شديدة فنحن
ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا، وددنا أنا نعلم ممن كان هذا، فإن كان من أمر الله تعالى
صبرنا، وإن كان من رأي رسول الله (ص) استعتبناه.
فمشى سعد بن
عبادة إلى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله،
إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم، قال: (فيم؟)، قال: فيما كان من قسمك هذه
الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شئ، فقال رسول الله (ص):(فأين
أنت من ذلك يا سعد؟) قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي، فقال رسول الله (ص):(فاجمع
لي قومك في هذه الحظيرة)، فخرج سعد يصرخ فيهم حتى جمعهم في تلك الحظيرة، حتى إذا
لم يبق أحد من الانصار إلا اجتمع له، أتاه فقال يا رسول الله: قد اجتمع لك هذا
الحي من الأنصار حيث أمرتني أن جمعهم، فخرج رسول الله (ص)
فقال:(هل منكم أحد من غيركم؟) قالوا: لا يا رسول الله إلا ابن أختنا، قال: (ابن
أخت القوم منهم)، فقام رسول الله (ص) خطيبا، فحمد الله
وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله
تعالى وعالة فاغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم، ومتفرقين فالفكم الله؟)،
قالوا: بلى يا رسول الله،
[98] رواه ابن إسحاق، وأحمد عن أبي سعيد الخدري، وأحمد، والبخاري ومسلم
من طريق أنس بن مالك، وهما عن عبد الله بن يزيد بن عاصم.. بروايات مختلفة، وقد
حاولنا الجمع بينها.