قال: أجل.. إن أسماء الله الحسنى هي المعارف التي أذن الله فيها لوسائل إدراكنا
البسيطة أن تتعرف بها على كمالات الألوهية، وهي لذلك من الأهمية بحيث لا يمكن مقارنتها
بأي معرفة من المعارف الأخرى، لأن كل ما في الكون أثر من آثار أسماء الله.
وهي لذلك أبواب علاقتنا بالله، لأن لكل اسم من أسماء الله
دلالته الخاصة التي تتطلب عبوديته الخاصة.
ولهذا أمرنا الله تعالى أن ندعوه بأسمائه الحسنى، مستشفعين
بها إليه، ومتوسطين بها لديه، كما قال تعالى:﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ (الأعراف: 180)
قلت: صدقت في هذا.. فالدعاء ـ في أصله ـ مقتضى من مقتضيات
المعرفة بالله، فالمعرفة بأسماء الله هي التي تدعو إلى الثقة فيه، وهي التي تدعو
إلى سؤاله، وقد أشار ابن عقيل إلى سر الصلة بين الدعاء وأسماء الله الحسنى، فقال:(قد
ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معانٍ: أحدها: الوجود، فإن من ليس بموجود لا
يُدعى، الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يُدعى، الثالث: السمع، فإن الأصم لا يُدعى،
الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يُدعى، الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يُدعى، السادس:
القدرة، فإن العاجز لا يُدعى)
قال: وهكذا لو ذهبنا نعد مع ابن عقيل لوجدنا أن أسماء الله
تعالى تقتضي رفع أيدينا إليه بالسؤال، بل إفراده في هذا الرفع.. ولهذا نرى امتزاج
أدعيته (ص) بأسماء الله..
قلت: أجل.. ومما أحفظه من ذلك أن رسول الله (ص) كان جالسا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني
أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان بديع السموات والأرض،
يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، فقال النبي (ص):(لقد دعا الله باسمه العظيم)([57])
وقد علم (ص)
من أصابه هم أو حزن أن يقول:(اللهم إني عبدك، ابن عبدك ابن أمتك في قبضتك، ناصيتي
بيدك ماض في حكمك، عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في
كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن
ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب غمي)([58])، ثم بين أثر ذلك في نفسه، فقال:(فما
قالها عبد قط إلا أبدله الله بحزنه فرحا)
[57] رواه أحمد وأبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجة وغيرهم.