الشجن، فالشيعي والسني
كلّ كان يعتزل الآخر، وكل كان يعيش على أوهام ولدتها في نفسه الظنون، أو أدخلتها
عليه سياسة الحكم والحكام، أو زيفتها له الدعاية المغرضة.. كان يسود الفريقين جو
من الظلام، فلا يرى أحدهما في صورة الآخر إلاّ شبحاً تحوطه الظلمة، ولا يتكلم عنه
إلاّ بما توحي به الظلمة، ولا يقرأ عنه إلاّ ما تسمح به حلكة الظلام)
وأضاف يقول: (إن
الفرقة بين المسلمين ظلت غذاء مناسبا للحكم والحكام قرونا عدة، دأب فيها كلّ حاكم
على استغلالها لتثبيت سلطانه، وتحطيم عدوه، ثم جاءت السياسات الأجنبية فوجدت في
هذه الفرقة خير وسيلة لتدخلها، وبث نفوذها ودعم سلطانها وفرض سيادتها.. الحق كلّ
الحق أنّه لا ضرر على المسلمين في أن يختلفوا، فإن الاختلاف سنة من سنن الإجماع،
ولكن الضرر كلّ الضرر في أن يفضي بهم الخلاف إلى القطيعة والخروج على مقتضى
الأخوة التي أثبتها الله في كتابه العزيز، لا على أنها شيء يؤمر به المؤمنون،
ولكن على أنها حقيقة واقعة، رضى الناس بها أم أبوا)
هكذا كتب الشيخ
محمّد تقي القمي في الأعداد الأولى لمجلة رسالة الإسلام.
وقد وضح مراده
بهذا في مقالة أخرى بعنوان (خلاف نرضاه وخلاف نأباه)، وفيه قال: (هناك فرق بين
خلاف وخلاف: هناك خلاف تمليه طبيعة التفكير وتقتضيه سنن الاجتماع، ونحن نقبله
ونرضاه وهناك خلاف يصطنع اصطناعا، ونحن نرفضه ونأباه.. إننا نقبل الخلاف الفكري
ما دام في دائرة معقولة، ونرحب بالخلاف المذهبي لأنه وليد آراء اجتهادية مرجعها
الكتاب والسنة أو ما أعطاه الكتاب أو السنة قوة الحجية ونرحب بما عند الشيعة وأهل
السنة، لأنهما تؤمنان بما يجب على المسلم أن يؤمن به، وإن اختلفتا في مسائل
فقهية، وتميزتا في مسألة الولاة والخلافة ونرحب كذلك بالمعارف الكلامية، لأنها
ميدان من ميادين التفكير للمسلم أن يجول فيه.
نحن نرحب بهذه
الخلافات كلها، بل نعتز كمسلمين بالكثير منها: لأنها إن دلت على شيء فإنما تدل
على الحرية الفكرية، ولأنها إن أحسن النظر إليها، تسعد الأمة وتكفل رقيها وتبقى
على سلامتها.
إن هذه
الخلافات في جوهرها تنبئ عن معنى الوفاق فهي ترتبط بأصل واحد هو الكتاب والسنة.
وليس معنى هذا
أن في السنة خلافا، بمعنى أن البعض يقبل ما صدر عن رسول الله (ص)
والبعض لا يقبله، معاذ الله، فالمسلمون يتفقون في وجوب الأخذ بسنة رسول الله (ص)،
ولكنهم قد يختلفون في الفهم أو التفسير أو في أن هذا صدر عن الرسول الأعظم أو لم
يصدر أما من لا يأخذ بما أمر به الرسول فليس بمسلم.
فالآراء
الاجتهادية إذن، يجمعها الكتاب والسنة، وليس بعد هذا من وفاق.