قلت: لقد شرفني الله، فتعلمت في كثير من مدارس الإسلام..
قاطعني، وقال: لذلك ستقتصر هنا على تعلم الخطابة.. فلا يمكن لمن يريد
أن يكون داعية إلى الله أن يغفل عن تعلم هذا العلم.
***
دخلنا جامع القرويين، فرأيت فروعا كثيرة،
فسألت الفاسي عنها، فقال: في كل ركن من هذه الأركان نعلم فنا من فنون الهداية
وعلما من علومها.
قلت: فأين ركن الخطابة.. ذلك الذي تريد مني
أن أتعلمه؟
قال: لن تدخله إلا بعد أن تمر على بعض
الناس، فإن رأوك أهلا له أذنوا لك بالدخول، وإلا ردوك بالتي هي أحسن.
ذهب بي الفاسي إلى محل اختبار الخطباء، وطلب
منهم النظر في قدراتي، ومدى استعدادها لهذا الفن من فنون الهداية.
بعد اختبارات كثيرة منها ما يرتبط بالعلم،
ومنها ما يرتبط بالقدرات الصوتية، ومنها ما يرتبط بالنضج التربوي، ومنها ما يرتبط
بالنواحي الأمنية.. أذن لي بالدخول إلى قاعة الخطابة، وقد تعجبت إذ وضعوا على عيني
عصابة حتى لا أرى شيئا.
وبعد أن سرت في سراديب كثيرة، فتحوا العصابة عن عيني، فوجدت نفسي في
مغارة تملأ النفس رعبا، التفت، فرأيت ناسا كثيرين، كل منهم يعتلي صخرة، ويخطب بقوة، وكأنه أمام
الجماهير العريضة من الناس.
سألت الفاسي عن سر هذا، فقال: نحن هنا نعلم الخطباء جميع
فنون الخطابة.
قلت: فلم اخترتم هذه المغارة؟.. ولم عسرتم السبيل إليها كل
ذلك التعسير؟
قال: لسببين: أما أولهما،
فهو ما رأيته من أولئك المصارعين الذين ملأوا الأرض لهيبا والنفوس ظلمات.. وأما
الثاني، فما عبر عنه الحكيم بقوله:(ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن
لن يتم نتاجه)
قلت: فهمت الأول، ولم أفهم
الثاني؟
قال: ألم تتعلم في مدرسة
أبي مدين ما يحمله الجاه من بذور الانحراف؟