هذا هو القدوة الذي يبذل
من التضحية ما يكسب به ثقة أتباعه ويحتويهم احتواء تاما ويصعد بهم إلى أرفع درجات
التربية.
قلت: وعيت هذا.. فما تأثير
ذلك كله في أصحابه.. إن المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله هو المنهج المؤثر.. فهل
كان هذا المنهج مؤثرا؟
قال: لقد كان تأثيره أعظم
من كل تأثير.. لقد كانت مشاركة (ص)
للصحابة أكبر حافز لهم على تلك التضحيات التي قدموها، وقد كانوا يقولون عندما يرون
جهد الرسول (ص):
لئن
قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل
وهذه المشاركات كانت فرصة
عظيمة له (ص) لتربية أصحابه وتوجيههم
بالمقال والفعال، فعن جابر قال: قال رجل للنبي (ص) يوم
أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال:(في الجنة) فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل.
وعن سهيل بن سعد قال: قال
النبي (ص) يوم خيبر:(لأعطين الراية
غداً رجلاً يفتح على يديه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، فبات الناس ليلتهم
أيهم يعطى، فغدوا كلهم يرجوه، فقال:(أين علي؟)، فقيل: يشتكي عينيه، فبصق (ص) في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه
فقال:(أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال:(انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم
إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم ؛ فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن
يكون لك حمر النعم)([358])
***
ما استتم صاحبي حديثه هذا حتى وجدنا أنفسنا قد قطعنا المرحلة
الخامسة من الطريق من غير أن نشعر بأي عناء أو تعب.. ولم يخطر على بالي طيلة هذه
المرحلة ما كنا نقطعه من غابات موحشة، ومن سباع عادية تتربص بنا من كل اتجاه.
لقد تنزلت علي بمجرد قطعي لتلك المرحلة أشعة جديدة اهتديت
بها بعد ذلك إلى شمس محمد (ص).