قال: الحقائق التي من أجلها تتحرك الجوارح.. ألا ترى أن
الجوارح لا تتحرك في كل ذلك إلا لمرضاة الله خشوعا لله، وخضوعا له؟
قلت: بلى.. ولم أر من يخالف في ذلك.
قال: فهذا هو القدوة الذي يملأ الحياة بالإيمان وبحقائق
الإيمان.. إنه لا يشغل الناس بالحركات، بل يشغلهم بما تعنيه الحركات.
قلت: أنا رجل رحل من بلاد بعيدة طلبا لمناهج الهدي.. ولا
أريد منك إلا تفصيلا يؤكد لي هذا حتى أعلم أنه منهج نبوي صحيح.. فما أخطر البدعة
في مثل هذه السبيل.
قال: لقد كان رسول الله (ص) هو القدوة الأول في كل أموره..
لقد كان العابد الأول الذي جعل من الصلاة قرة عينه، فكان
يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويبكي حتى تبلل دموعه لحيته.
وكان يديم الصيام حتى يظن
من حوله أنه سيصوم الدهر كله، وأحيانا يواصل الليل بالنهار في الصيام، فيمضي يومين
أو أكثر لا يتناول طعاما، بعد الغروب، وهو ما نهى عنه أصحابه ولهذا قالوا له:
أتنهانا عن الوصال وتواصل؟ فقال:(وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)([352])
وكان دائم الذكر لله تعالى
في كل أحواله، وعلى كل أحيانه، بقلبه ولسانه.
ومع ذلك كله كان دائم
الخشية له سبحانه، كثير الاستغفار، كثير التوبة، وهذا من كمال عبوديته، وعظم مقام
الألوهية عنده، وفي هذا كان يقول:(إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في اليوم
مائة مرة)([353])، وكان
يقول:(يا أيها الناس توبوا إلى