ـ ونحن في الركن المرتبط
بهذا من محضرة الآداب ـ شيخنا محمد الأمين الشنقيطي عن سر اعتبار المجاهدة ركنا من
أركان آداب طلبة العلم وأهله، فقرأ قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت:69)
ثم قال: هذه الآية تجيبكم على سؤالكم.. لقد وعد الله المجاهدين
فيه أن يهديهم لسبيله.. فلذلك لا يمكن لطالب العلم أن يهتدي لسبل الله ما لم يجاهد
نفسه في ذات الله.
ألستم ترون أن أول ما فعل جبريل u مع رسول الله (ص) في أول لقاء له به أن غطه ثلاث مرات حتى بلغ منه الجهد([253])؟
قلنا: بلى.
قال: وكان بالإمكان في أول مرة أن يقول له:﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:1)؟
قلنا: بلى.
قال: ألم يكن رسول الله (ص) إذا نزل عليه جبريل u
بالوحي يتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد، فإذا كان على ناقة جثت الناقة، وأصاب
عنقها الأرض من شدة ما يناله (ص)
عند نزول الوحي؟
قلنا: بلى.. ذلك كذلك.. فما سره؟ وما علاقته بالمجاهدة؟
قال: العلم ثقيل، فلا ينبغي أن يستخف به، ورسالة عظمى، فلا ينبغي
إهانتها.
قلنا: وكيف يستخف به؟ وكيف تهان؟
قال: إذا لم يعطه طالبه حقه من الجهد والبحث والنظر والمعاناة كان
مستخفا به، وكان مستهينا بالرسالة التي يحملها.
قلت: فما حقه من الجهد؟
قال: لقد جعل الله لكل مسألة من مسائل العلم مفتاحها من المجاهدة،
فمن لم تبلغ مجاهدته حق مفتاحها، فإنه لن يظفر من ذلك العلم إلا بالظواهر التي
تملؤه بالغفلة، وتملأ نفسه بالغرور.
قلت: ألهذا سمى العلماء الباحث في مسائل العلم مجتهدا؟