قال: إن الآية الكريمة تشير إلى العداوة المستفحلة بين
اليهود والنصارى.. وهي عداوة يمكن للمحاور الحكيم أن يستثمرها.. فيغني نفسه عن جهد
كبير قد لا يكون بحاجة إليه.
قلت: نعم.. لقد ذكر جدك أبو حامد أنه استثمر العداوة فيما
بين الفلاسفة، والصراع الذي كان بينهم.
قال: وهكذا الحكيم يستثمر الصراع بين الفلسفات المختلفة..
فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها، فهو أحق بها.
سكت قليلا، ثم قال: سأضرب لك مثالا..
قاطعه بعض رفاقي قائلا ـ وهو يبتسم ـ: هو لجدك أم لك.
ابتسم، وقال: ليس جدي سواي.. ولست سوى جدي.. لقد امتلأت حبا
له، ففنيت فيه.. فلا تراني أتحدث إلا عنه.. فاعذروني..
أما هذا المثال.. فأنا الذي اكتشفته بحمد الله.. ولو أن لجدي
سبب في اكتشافه..
لقد أردت مرة أن أحاور بعض أهل الكتاب في التحريف الذي طال
كتبهم، ولم يكن لدي الوقت الكافي للبحث في المخطوطات والتراجم والنسخ المختلفة..
وقد سمعت حينها أن اسبينوزا.. الفيلسوف اليهودي المعروف.. كان قد كتب رسالة في
اللاهوت والسياسة، وهو أساساً نقد للعهد القديم ولأسفار موسى الخمسة.. وقرأت أنه
من أوائل المفكرين الذين وضعوا دعائم العلم الذي يُسمَّى (نقد العهد القديم)، أو
(النقد التاريخي للكُتب المقدَّسة).. فرحت أستثمر كل ما قاله في ذلك.
قلت: وماذا لو كان اسبينوزا أخطأ في استنتاجاته؟
قال: أنا لا تهمني الاستنتاجات.. ولم أكن أطلب الاستنتاجات..
بل كنت أطلب الحقائق، والتوثيقات المرتبطة بها.. أما النتائج.. فيمكنك أن تستثمرها
في أي محل.. ألست ترى من الناس من يأكل التفاح ناضجا، ومنهم من يأكله مربى، ومنهم
من يأكله مطبوخا؟
قلت: المهم أنه أكل تفاحا..
قال: وهكذا فعلت.. لقد كنت أبحث عن تفاح الحقائق من جميع
أنواع البساتين لأطبخ منه بعد ذلك ما أراه صالحا للمعد