وجاء عصفور فنزل على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، أو
نقرتين، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من
هذا البحر.
ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر
الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فقتله، فقال له موسى:﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً
بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75)﴾ (الكهف)، قال:(وهذه أشد من
الأولى)، ﴿ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ
بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرا﴾ (الكهف:76)
فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن
يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض قال: مائل. فقال الخضر بيده، فأقامه، فقال
موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، ﴿ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ
أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ
مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)﴾ (الكهف)، فقال رسول الله (ص):(وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله
علينا من خبرهما) ([128])
قام رجل من الجمع، وقال: أنا عضو في بعض جمعيات الرفق
بالحيوان.. وقد عاتبني البعض في انتمائي لمثل هذه الجمعيات.. فهل ترى علي من بأس
في ذلك؟
نظر إليه (الأمير)، وقال: لقد حكى لنا رسول الله (ص) هذه القصة.. قال: (بينما رجل يمشي بطريق
اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها وشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يأكل الثرى
من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي ! فنزل البئر فملا
خفه ماء ثم أمسكه بفيه ثم رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول
الله ! وإن لنا في البهائم أجرا ؟ قال في كل ذات كبد رطبة أجر)([129])
وحكى لنا قصة أخرى، فقال: (غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي([130])كاد يقتله العطش، فنزعت خفها
[128] رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن
أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات.