قال:
لم أر في حياتي رجلا كان يملك قلبا يمتلئ بالرحمة كالقلب الذي كان يملكه بديع
الزمان..
لا
يمكنني أن أحدثكم عن كل ما رأيت من رحمته، ولكني سأحدثكم عن صفة كانت غالبة عليه..
وكأنها خلقت معه.
لقد
كان أسهل الناس، وأيسرهم، وأكثرهم لينا وبشاشة مع أقرب الناس إليه، ومع أبعد الناس
عنه.. لم أره ـ مع المواقف الشديدة التي مر بها ـ إلا لينا بشوشا منطلق الأسارير،
وقد دعاني ذلك إلى سؤاله، فقال: إن الابتسامة هي رسول الرحمة.. والوارث لا ينبغي
أن يكون إلا رحيما.. لقد قال الله تعالى يصف رسول الله (ص):﴿
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ
الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل
عمران:159)
وقد
كان (ص) كما وصفه ربه سهلا لينا يسيرا ما غضب لنفسه قط،
ولا ضاق صدره بضعفهم البشري.. بل كان يقول لهم كل حين: (إنما أنا لكم مثل الوالد
لولده)([541])
لقد
تمكن من أعدائه الذين صبوا عليه وأصحابه جميع أنواع العذاب، وسلبوا أموالهم،
وديارهم، وأجلوهم عن بلادهم، لكنه (ص)
قابل كل تلك الإساءات بالعفو والصفح والحلم قائلاً: (يا معشر قريش، ما ترون أني
فاعل بكم؟)، قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال (ص): (اذهبوا
فأنتم الطلقاء)
لقد
أنزل الله عليه:﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (النحل:126)،
فاختار أن يعفو عنهم ويصبر على ما كان منهم، وأن لا يعاقب فقال: (نصبر ولا نعاقب)
قلت:
إني مررت بقوم حدثوني بأحاديث كثيرة يروونها عن محمد.. فهل تراك مثلهم، أم تراك
تكتفي بالقرآن؟
نظر
إلي بغضب، وقال: ضل من قال هذا.. وضل من فعل هذا.. إن محمدا (ص) هو
التطبيق العملي للقرآن الكريم، وهو التفسير الحسي لمعانيه.. ومن لم يقرأ تفسير
القرآن الكريم من أقوال محمد (ص) وسلوكه ظل جاهلا
بالقرآن، ولو قرأ جميع تفاسير الدنيا.