لقد منع تدريس الدين في
المدارس كافة، وأمر بتبديل الأرقام والحروف العربية في الكتابة إلى الحروف
اللاتينية، وحرم الأذان الشرعي وإقامة الصلاة باللغة العربية، وأُعلنت علمانية
الدولة، فمُنع القيام بأي نشاط أو فعالية في صالح الإسلام، وحُظر طبع الكتب
الإسلامية،وأُرغم الناس على تغيير زيهم إلى الزي الأوروبي، فالرجال أُرغموا على
لبس القبعة، والنساء أرغمن على السفور والتكشف..
وشكّلت محاكم زرعت الخوف
والإرهاب في طول البلاد وعرضها، ونصبت المشانق لعلماء أجلاّء، ولكل من تُحدثه نفسه
بالإعتراض على السلطة الحاكمة.
فساد جو من الذعر والإرهاب
في أرجاء البلاد، حتى أصبح الناس يخفون القرآن الكريم عن أنظار موظفي الدولة،
ونشطت الصحافة في نشر الابتذال في الأخلاق والاستهزاء بالدين، فانتشرت كتب
الإلحاد، وحلت محل كلمات (الله، الرب، الخالق، الإسلام) كلمات (الطبيعة، التطور،
القومية التركية)
في ذلك الجو الشديد القاسي
كان بديع الزمان في قمة من قمم تلك الجبال التي تملأ الناظر إليها رعبا.. ولم يكن
وجوده هناك هروبا من واقع مر لم يستطع إصلاحه.. وإنما كان وجودا اضطراريا.. ولكنه
مع ذلك لم يمنعه من أن يمارس وظيفة الإمامة التي ندب لها.. والتي ورثها من رسول
الله (ص)..
وقد كانت قمم تلك الجبال
هي الفوانيس التي قهرت ذلك الظلام الذي ملأ أرض تركيا وحشة.. ومثلها كثير من بلاد
الإسلام.
في أول خطوة لي في (بارلا)
لقيني رجل بهيئة وحش كاسر.. لم يكن يبدو منه سوى أسنانه الممتلئة بالقذارة..
نظر إلي نظرة ممتلئة
بالقسوة، وكأنه يهم أن يفترسني، ثم قال: لا شك أنك لا تعرفني..
قلت ـ متعجبا من سؤاله ـ:
نعم لا أعرفك.. ولا حاجة لي أن أعرفك.. فمثلك ممن يزهد الناس في التعرف عليهم.
أرسل ضحكة عالية، وقال: في
كل الأوقات وفي كل البلدان يمكنك أن تقول ذلك إلا في هذا الوقت
وفي هذه البلاد..
أشار إلى نفسه معتزا،
وقال: في استطاعتي أن أفعل بك ما أشاء.. في استطاعتي أن أجعل من قمم هذه الجبال
قبرا يضمك مدى الدهر.. وفي استطاعتي أن أعلق رقبتك