لكني
سمعت صوتا مرتفعا في قاعة من القاعات، فرحت أتصنت عليها.. لقد كانت القاعة مخبرا
تجرى فيه التحاليل المختلفة للمرضى.. سأحكي لكم بعض ما وصل أذني من أحاديثهم،
فكلها كانت تصب فيما كنا فيه.
قال
الأول: إن ما تقوله خطير.. إننا نتلاعب بذلك بهذه الأمانات التي بين أيدينا.. ألا
ترى إلى المرضى الذين ينظرون إلينا، وكأننا المنقذ الذي أرسله الله ليخلصهم من
العلل التي تنهشهم.
قال
الثاني: ولكنهم صائرون إلى الموت لا محالة.. ثم مصيرهم بعد ذلك إلى الدود الذي
يلتهم تلك الأعضاء الثمينة التي يملكونها.
قال
الأول: فهل تريد أن تتغذى بهم قبل أن يتعشى بهم الدود.
قال
الثاني: سيجد الدود أكله لا محالة.. وتلك الأعضاء لن يضر الدود فقدها.
قال
الأول: إننا أمة تسعى إلى الحضارة.. والحضارة تستدعي احترام الإنسان.. فهل تريد
بنا أن نتحول إلى بدائيين من أكلة لحوم البشر.
أرسل
الثاني ضحكة عالية، وقال: أتدري من طلب هذه الأعضاء، ومن يبذل فيها الأموال
الضخمة.. إنهم أرباب الحضارة أنفسهم.. إنهم سدنة هذه الحضارة العظيمة التي نعيش في
ظلها.
أتدري
كيف وصلنا إلى هذه التطورات الطبيقة العريقة؟
قال
الأول: بالعلم، وباحترام الإنسان، والبحث عما يوفر له الراحة والسعادة.
قال
الثاني: ليس ذلك فقط.. هناك شيء آخر اسمه التضحية.
قال
الأول: التضحية بالجهد والوقت..
قال
الثاني: بل بالإنسان..
قال
الأول: أعلم ذلك.. الأطباء قد يضطرون أحيانا إلى ذلك.. لقد اضطر ادوارد جينر إلى
إجراء تجاربه حول لقاحات الجدري على ابنه وأبناء منطقته.. واضطر يوهان يورج إلى
تناول سبعة عشرة دواء بجرعات مختلفة، وذلك لاختبار مميزات كل دواء على المرضى..
لقد كان لويس باستور يعارض إجراء التجارب على البشر، ولكنه في النهاية أذعن عندما
أدرك أن موت أحد الأطفال الذين كان يعالجهم أصبح أمرا واقعا لا محالة.
قال
الثاني: التضحية الاختيارية وحدها لا تكفي.. هناك تضحية أخرى قد تبرر ما نريد
فعله.