قلت:
أنا لم أجئ إليك لتعرفني بالدنيا وزهادتها، فقد كانت لدي ومعي، وقد رأيت منها ما
ملأني زهدا فيها.. ولكني جئتك لأتعرف على الإنسان الكامل.. ذلك الذي نصبه الله
علما لعباده يهتدون بهديه، ويسيرون سيرته.
قال:
لن يكون الإنسان كاملا حتى يرى الوجود بصورته الحقيقية، فيسير فيه وفق ما تقتضيه
الحقائق، لا وفق ما تقتضيه الأهواء.
قلت:
فمن هو ذلك الذي لم ينحجب بالأهواء عن الحقائق؟
قال
بسرعة، وبصوت عال: ذلك هو الكامل الأكبر.. ذلك هو محمد رسول الله.. هو الإنسان
الوحيد الذي اكتملت له معرفة الحقائق، فصار مرآة لتجلياتها، وفهرسا لمفرداتها..
فإن شئت أن تبصر حقائق الأشياء، فأبصرها من خلال مرآته.
قلت:
فما قال في الدنيا؟
قال:
لقد استن محمد (ص) بسنة القرآن في ضرب
الأمثال، فراح يعلم كل من يتعلم على يديه حقيقة الدنيا، وحقيقة المواقف حولها،
ليسير تلاميذه فيها وفق ما تقتضيه الحقائق، لا وفق ما تقتضيه الأهواء.
لقد روي أن رسول الله (ص) جلس على المنبر، فقال: (إن مما أخاف عليكم بعدي:
ما يفتح عليكـم من زهـرة الدنيـا وزينتها)، فقـال رجـل: أوَيـأتي الخيـر بالشـر يا
رسول الله؟ قال: فسكت رسول الله (ص)، فقيل
له: ما شأنك تكلم رسول الله ولا يكلمك؟ قال: ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عنه
الرُّحَضاءَ، وقال: أين هذا السائل؟ ـ وكأنه حمده ـ فقال: إنه لا يأتي الخير
بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل حَبَطًا([410])أو
يُلم([411])، إلا
آكلة الخْضِر([412])،
[410] الحبط: انتفاخ بطن الدابة من الامتلاء أو من المرض؛
يقال: حبط الرجل والدابة تحبطًا وحبطًا إذا أصابه ذلك.
[411] أو يلم: ألمَّ به يلمُّ: إذا قاربه ودنا منه. يعني:
أو يقرب من الهلاك.
[412] الخضِر: ضروب من النبات مما له أصل غامض في الأرض
كالنصيِّ. وليس من أحرار البقول وإنما هو من كلأ الصيف. والنَّعمُ لا تستكثر منه
وإنما ترعاه لعدم غيره.