لقد كانت أفواه اليهود في
ذلك الوقت تلقي بسمومها على رسول الله (ص)
والمسلمين.. ومع ذلك لم يكن المسلمون ولا رسول الله (ص) يقابلونهم إلا بالجدال بالتي هي أحسن، أو غض الطرف
عما يقولون.
فعند ما قتل أحد الصحابة
في أحد أحياء اليهود في خيبر رضي (ص) وقبل
يمين اليهود إذ أقسموا أنهم لم يقتلوه ولم يعلموا قاتله، فعن بشير بن يسار قال: (زعم
أن رجلًا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى
خيبر، فتفرقوا فيها فوجدوا قتيلًا، وقالوا للذي وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا:
ما قتلنا وما علمنا قاتلًا، فانطلقوا إلى النبي (ص)
فقالوا: يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلًا، قال: الكُبرَ الكبرَ،
فقال لهم: تأتون البينة على من قتله؟ قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون، قالوا: لا
نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله (ص) أن
يُطَّلَّ دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة([518]).
التفت إلى بات روبرتسون،
وقال: هل رأيت نبلا كهذا النبل، أو كرما كهذا الكرم([519])..
[517] انظر تفاصيل الخيانة
وآثارها في فصل (حروب) من هذه الرسالة.
[519]قال القرطبي في المفهم:
فعل (ص) ذلك على مقتضى كرمه
وحسن سياسته وجلبًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة على سبيل التأليف، ولا سيما عند تعذر
الوصول إلى استيفاء الحق، وقال القاضي عياض: هذا الحديث أصل من أصول الشرع وقاعدة
من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ جميع الأئمة والسلف من
الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين
وإن اختلفوا في صور الأخذ به.
قال النووي عند شرحه لهذا الحديث: وفي هذا دليل لصحة يمين الكافر والفاسق
واليهودي (انظر: شرح مسلم 11 / 147)