للعقوبة..
وإنما يعاقب من منطلق الرحمة([482]).. إن
قرآننا يقول:﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ (لأعراف:156)
ولهذا يربط القرآن الكريم
بين ملك الله الذي يعني تدبير الله للأشياء وبين رحمته تعالى، كما قال تعالى:﴿ الْمُلْكُ
يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرا﴾
(الفرقان:26)
ولذلك ورد في القرآن
الكريم الإخبار عن سعة الرحمة الإلهية وشمولها باعتبار الكون مؤسسا عليها إنشاء
وتدبيرا، قال تعالى:﴿ وَرَحْمَتِي
وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾(الأعراف:من: 156)، وقال
تعالى:﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ
وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأنعام:147)
فالآيتان الكريمتان
صريحتان في سعة الرحمة الإلهية وشمولها لكل شيء، ولم يرد في القرآن الكريم اقتران
السعة بشيء من صفات الله إلا في صفتي الرحمة والعلم.
قال بات روبرتسون: ولكنا
نسمع بأن لإلهكم نارا عظيمة يعذب بها.. فهل ترى تلك النار
[482] ولهذا يرد في القرآن
الكريم ارتباط العذاب باسم الرحمن.. كما قال تعالى على لسان إبراهيم :﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ
أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّا﴾
(مريم:45)
فقد ذكر إبراهيم u الرحمن، ولم يقل الجبار ولا القهار، للدلالة على أن العذاب
لا يتنافى مع الرحمة الإلهية، كما لا يتنافى الكي أو الحقنة أو الدواء المر إذا
وضعت في مواضعها التي تقتضيها حكمة الجسم مع رحمة الطبيب.
ولذلك قال تعالى: ﴿ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ
لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ (يّـس:23)، فقد نسب
إرادة الضر إلى الرحمن ليدل على أن هذا الضرر في حقيقته رحمة، اقتضاه التدبير
الإلهي.