وبعضه
أتى بعدها بعدة سنوات، وهذا يعنى أن هذه الآية قد نزلت بعد الغرانيق بسنوات عديدة،
لأن قصة الغرانيق ـ كما يذكر من أرخها ـ قد حصلت فى السنة الخامسة من البعثة، فكيف
أخر الله تسلية وتهدئة خاطر الرسول (ص) هذه
السنين الطويلة.
ثم إن هذه الآية بعد ذلك
ليس فيها دلالة على شئ من فرية الغرانيق.. فالتمنى هو تشهى حصول أمر محبوب ومرغوب
فيه، فالرسول (ص) كان يتشهى ويتمنى
ما يتناسب مع وظيفته كرسول، وهى ظهور الحق والهدى، وطمس الباطل والضلال، فيلقى
الشيطان بغوايته للناس ما يشوش هذه الأمنية، ويكون فتنة للذين فى قلوبهم مرض، كما
ألقى فيما بين أمة موسى من الغواية ما ألقى، فينسخ الله بنور الهدى غواية الشيطان،
ويظهر الحق للعقول السليمة.
قال جيري فاينز: ولكن
العلماء ذكروا أن المراد بالتمنى هو القراءة والتلاوة.
قال الحكيم: ذلك معنى
غريب، يخالف ظاهر اللفظ، والأصل في الألفاظ دلالتها على ظواهرها.. ومع ذلك، فإن
معنى الآية لو فسرنا التمني بالقراءة لا ينسجم مع الفرية التي ذكرتها..
فالآية ـ حينذاك ـ إعلام
من الله تعالى لرسوله a بأن من أرسل قبله
من الرسل كان إذا تلا ما يؤديه إلى قومه، حرفوا عليه، وزادوا فيما يقوله ونقصوا،
كما فعلت اليهود فى الكذب على أنبيائهم قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا
يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا
بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا
فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ
فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ
اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي
الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة:41)، وقال
تعالى:﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ