العاديين
بمثلها، وهي ظواهر لم يكن يملك محمد (ص) لها
جلبا، ولا دفعا.
بالإضافة إلى هذا كله، فقد
كان (ص) حين ينزل عليه القرآن في
أول عهده بالوحي يتلقفه متعجلا ،فيحرك به لسانه وشفتيه طلبا لحفظه، وخشية ضياعه من
صدره، ولم يكن ذلك معروفا من عادته في تحضير كلامه، لا قبل دعواه النبوة ولا
بعدها، ولا كان ذلك من عادة العرب، إنما كانوا يزورون كلامهم في أنفسهم، فلو كان
القرآن منبجسا من معين نفسه لجرى على سنة كلامه وكلامهم ولكان له من الروية
والأناة الصامتة ما يكفل له حاجته ؛ من إنضاج الرأي ، وتمحيص الفكرة، ولكنه كان
يرى نفسه أمام تعليم يفاجئه وقتيا ويلم به سريعا، بحيث لا تجدي الروية شيئا في
اجتلابه لو طلب، ولا في تداركه واستذكاره لو ضاع منه شيء، وكان عليه أن يعيد كل ما
يلقى إليه حرفيا، فكان لابد له في أول عهده بتلك الحال الجديدة التي لم يألفها من
نفسه، أن يكون شديد الحرص على المتابعة الحرفية، حتى ضمن الله له حفظه وبيانه
بقوله:﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾
(القيامة:16)، وقوله:﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى
إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْما﴾ (طـه:114)
التفت الحكيم إلى
فرانكلين، وقال: أليس يكفي للحكم ببراءة الإنسان من عمل من الأعمال أن يقوم من
الطبيعة شاهد بعجزه المادي عن إنتاج ذلك العمل؟
لم يجد فرانكلين ما يجيب
به إلا أنه قال: كيف تعتبر تأخر ما تسميه بالوحي دليلا على صدق الوحي.. ألا يكون
محمد هو الذي تسبب في تأخره.. أو أن قريحته لم تسمح له بالتأليف في ذلك الوقت؟