أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾
(الأحزاب:28) حتى فرغ منها([187]).
التفت الحكيم إلى جيري،
وقال: إن هذه الحادثة التي ذكرتها لك بطولها وقعت في المدينة.. وكل لفظ منها يدلك
على مدى الزهد الذي كان يعيشه محمد (ص).
إنها عند أصحاب الرؤى
القاصرة مثار شبه كثيرة، ولكنها عند أصحاب العقول النيرة دليل من دلائل الصدق
والزهد والعفاف..
تصور لو أن محمدا (ص) كان يملك قصرا كتلك القصور التي يملكها أثرياء
عصره.. أو على الأقل كان يملك بيوتا كثيرة ممتلئة بالأثاث الكثير الذي كان ينعم به
أهل عصره.. هل كان لمثل هذه الأحداث أن تقع؟
لا.. لن تقع أبدا.. لأن
السبب الأول في هذه الأحداث هو المال.. فلو أن النبي (ص) كان ذا مال وذا ثروة وذا بيوت واسعة كثيرة ما حصل
ما حصل.
لقد رأيت صورة لبيت النبي (ص).. وقد ورد في رواية أخرى عن عمر قال: دخلت على
رسول الله (ص) فإذا هو متكئ على رمال
حصير قد أثر في جنبه، فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر،
إلا أهب ثلاثة معلقة، وصبرة من شعير، فهملت عينا عمر، فقال: ما لك؟ فقلت: يا رسول
الله أنت صفوة الله من خلقه، وكسرى وقيصر فيما هما فيه؟ فجلس محمرا وجهه، فقال:
(أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ثم قال: أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا،
أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟) قلت: بلى، يا رسول الله، فأحمد الله
عز وجل)،
[187] ذكره الهيثمي في المجمع
5 / 13 من طريق عبد الله بن صالح، وعزاه للطبراني في الاوسط، وهو ـ بصيغة أخرى ـ
في الصحيحين 8 / 656 (4912) (6691) ومسلم 2 / 1100 (20 / 1474)