حدثني فأتاني يوما وقد كنا نتخوف جبلة بن الايهم
الغساني، فقال: ما دريت ما كان؟ فقلت: وما ذاك؟ لعله جبلة بن الايهم الغساني، تذكر
قال: لا ولكنه أشد من ذلك إن رسول الله (ص) صلى
صلاة الصبح، فلم يجلس كما كان يجلس، ولم يدخل على أزواجه كما كان يصنع، وقد اعتزل
في مسربته، وقد ترك الناس يموجون ولا يدرون ما شأنه، فأتيت والناس في المسجد
يموجون ولا يدرون فقال: يا أيها الناس كما أنتم.
ثم أتى رسول الله (ص) وهو في مسربته، قد جعلت له عجلة، فرقى عليها، فقال
لغلام له أسود ـ وكان يحجبه ـ: استأذن لعمر، فاستأذن لي فدخلت ورسول الله (ص) في مسربته فيها حصير وأهب معلقة وقد أفضى بجنبه
إلى الحصير، فأثر الحصير في جنبه وتحت رأسه وسادة من أدم محشوة ليفا، فلما رأيته
بكيت، قال: ما يبكيك؟ قلت يا رسول الله، فارس والروم أحدهم يضطجع في الديباج
والحرير، فقال: إنهم عجلت لهم طيباتهم، والآخرة لنا، ثم قلت: يا رسول الله، ما
شأنك؟ فإني قد تركت الناس يموج بعضهم في بعض، فعن خبر أتاك فقال: اعتزلهن؟ فقال:
لا، ولكن كان بيني وبين أزواجي شئ فأحببت ألا أدخل عليهن شهرا.
ثم خرجت على الناس، فقلت:
يا أيها الناس، ارجعوا، فإن رسول الله a كان
بينه وبين أزواجه شئ، فأحب أن يعتزل، فدخلت على حفصة، فقلت: يا بنتي، أتكلمين رسول
الله وتغيظينه وتغارين عليه؟ فقالت: لا أكلمه بعد بشئ يكرهه، ثم دخلت على أم سلمة
وكانت خالتي، فقلت لها كما قلت لحفصة، فقالت: عجبا لك يا عمر، كل شئ تكلمت فيه،
حتى تريد أن تدخل بين رسول الله a وبين
أزواجه، وما يمنعنا أن نغار على رسول الله a
وأزواجكم يغرن عليكم، فأنزل الله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ
لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
فَتَعَالَيْنَ