عَادٍ
وَثَمُودَ ﴾ (فصلت:13)، فأمسك
عتبة على فيه، وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله([96]).
ليس ذلك فقط.. فالقرآن
يخاطب المخالفين ليقول لهم بعد مناقشة طويلة في الأدلة على وحدانية الله:﴿ قُلْ
مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ
إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ (سـبأ:24)
فهو في حواره مع المخالفين
يعتبرهم مع المسلمين سواء في الهداية أو الضلال، ثم يضيف على الفور في تنازل
كبير:﴿ قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا
تَعْمَلُونَ﴾ (سـبأ:24)، فيجعل اختياره هو بمرتبة الإجرام على الرغم من أنه هو
الصواب، ولا يصف اختيار الخصم بغير مجرد العمل.
أما
عن سلوكه (ص) مع
المخالفين.. بل مع من لا يكتفون بالمخالفة المجردة، بل يضيفون إليها تدبير المكايد
لحرب الإسلام، مما يعتبر في عصرنا خيانة عظمى، فسأذكر لك ثلاثة نماذج مختلفة عنها،
لترى كيف كان (ص) متسامحا.. ولا يمكن أن يكون المستبد متسامحا.
أما
النموذج الأول، فهو تعامله (ص) مع المنافقين، ونختار للدلالة على ذلك رأس النفاق عبد
الله بن أبي بن سلول، قد كان عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وإليه يجتمعون، وكان
في محل بحيث يخاف أي زعيم من أن ينقلب عليه.. فعندما قدم النبي (ص) المدينة وعبد الله بن أبي
سيد أهلها
(1) رواه البغوي في تفسيره، وقد روي أن عتبة بن ربيعة لما سمع ذلك
من رسول الله لم يخرج إلى قريش،
واحتبس عنهم، فقال أبو جهل:« يا معشر قريش واللّه ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد
وأعجبه طعامه، وما ذاك له إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فقال أبو جهل:«
يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة جمعنا
لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد »، فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم محمد أبداً،
وقال:« واللّه لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة،
فأجابني بشيء واللّه ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة فأمسكت بفيه
وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخشيت أن ينزل
بكم العذاب»