فهذا يمثِّل تحدِّياً واضحاً لغير المسلمين، لأنَّه
(وبطريقةٍ غير مباشرة) يدعوهم لإيجاد أيِّ خطأ. وحقَّاً -إن وضعنا الجديَّة أو الصُّعوبة
في هذا التحدِّي جانباً- فإنَّ تقديم مثل هذا التحدِّي -في المقام الأوَّل- ليس
حتَّى من طبيعة البشر، فهو يتعارض مع تكوين الشخصيَّة البشريَّة. فالإنسان لا
يتقدَّم لاختبارٍ في المدرسة، ثمَّ بعد إنهاء الاختبار يكتب ملحوظةً للمُصَحِّحِ
يقول فيها: (هذه الإجابات مثاليَّة، ولا يوجد فيها أيُّ خطأ.
فجد خطأً واحداً إن استطعت!) فالإنسان ببساطةٍ لا يفعل ذلك. فذاك المعلِّم ما كان
ليذوق طعم النَّوم حتى يجد خطأً ما! ومع ذلك فإنَّ هذه هي الطَّريقة الَّتي يصل
بها القرآن إلى النَّاس.
سكت قليلا، ثم قال: موقفٌ آخرٌ مثيرٌ للدَّهشة
يتكرَّر في القرآن كثيراً، ويتعامل مع نُصح القارئ، فالقرآن يُعْلِمُ القارئ عن
حقائق مختلفةٍ ثمَّ يُعطيه النَّصيحة بأنَّه إن كان يريد أن يعرف أكثر عن هذا أو
ذاك، أو إن كان يشكُّ فيما قيل، فما عليه عندئذٍ إلَّا أن يسأل أولئك الَّذين
يملكون العلم والمعرفة. وهذا موقفٌ مدهش، فمن غير المعتاد أن يُؤلَّف كتابٌ من
قِبَلِ إنسانٍ لا يملك أيَّ خلفيَّةٍ جغرافيَّة، أو نباتيَّة، أو أحيائيَّة، ويبحث
فيه مثل هذه الموضوعات، وبعدئذٍ ينصح القارئ بأن يسأل أهل العلم إن كان في رَيْبٍ
من شيء. يقول الله تعالى في القرآن العظيم:﴿ وَمَا
أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ
الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (الأنبياء 7)
في كلِّ عصرٍ من العصور السابقة ـ وحتَّى الآن ـ
كان هناك علماء مسلمون يتتبَّعون إرشادات القرآن، وقد توصَّلوا إلى اكتشافاتٍ
مذهلة، فإذا نظر أحدنا إلى أعمال العلماء المسلمين لعصورٍ عديدةٍ مضت، فسيجد
أنَّهم كانوا ممتلئين بالاستشهادات القرآنيَّة، فأعمالهم تُبيِّن أنَّهم قاموا
بالبحث في مكانٍ ما عن شيءٍ ما، وقد أكَّدوا أنَّ سبب بحثهم في مثل هذا المكان أو
ذاك بالذَّات