فكان الرهبان الذين تفيض
قلوبهم حنانا ورحمة، وعيونهم من الدمع، تقسو قلوبهم وتجمد عيونهم على الآباء
والأمهات والأولاد، فيخلفون الأمهات ثكالى، والأزواج أيامى، والأولاد يتامى، عالة
يتكففون الناس، ويتوجهون قاصدين الصحراء، همهم الوحيد أن ينقذوا أنفسهم في الآخرة،
لا يبالون ماتوا أو عاشوا، وحكي (ليكي) من ذلك حكايات تدمع العين وتحزن القلب.
قلت: فكيف أطاقوا تحمل كل
هذا العناء؟
قالت: ومن ذكر لك بأنهم
أطاقوا.. لقد تمردوا على فطرهم، فتمردت عليهم..
لقد قال رئيس دير كلونى: (إن
بعض رجال الدين في الأديرة وفي خارجها يستهترون بابن العذراء استهتاراً يستبيحون
معه ارتكاب الفحشاء في ساحاته نفسها، بل في تلك البيوت التى أنشأها المؤمنين
الخاشعون لكى تكون ملاذاً للعفة والطهارة في حرمها المسور، لقد فاضت هذه البيوت
بالدعارة حتى أصبحت مريم العذراء لا تجد مكاناً تضع فيه الطفل عيسى)([254])
لقد أدى التزمت والغلو في
الدين ومغالبة الطبع السوي والفطرة السليمة إلى نتيجة عكسية تماماً، وأصبحت
الأديرة مباءات للفجور والفسق وتضرب بها الأمثلة في ذلك، وقد وصل الحال بمسيحيي
الشرق ـ وربما كانوا أكثر حياء وأشد تمسكاً إلى حد أن المستهترين من الخلفاء
والشعراء المجان كانوا يرتدون الأديرة كما يرتاد رواد الدعارة اليوم بيوت العهر
وألفوا في ذلك كتباً منها