وتعاملت ـ بشخصها
مباشرة ـ مع المجتمع، فى المصنع والمتجر والطريق..
وتعاملت مع الرجل ـ أو
بدأت ـ إن لم يكن على أنها ند له، فعلى الأقل على أنها لم تعد ذلك التابع الذى لا
كيان له، وإنما صارت كائناً يحاول أن يصل إلى مستوى الرجل وينازعه السلطان..
وفى كل ذلك برزت فرديتها
التى لم يكن لها وجود من قبل..
واشتغل الأطفال كذلك..
وبرزت ـ رويداً رويداً ـ لهؤلاء الصغار فردية متميزة، يكتسبونها من عرك العمل لهم
منذ طفولتهم، ومن العملة القليلة التى تتحصل فى أيديهم..
وهكذا صار الجميع أفراداً
متميزى الفردية.. تحرر بعضهم من بعض..
قلت: وما الخطر في ذلك..
إن الحياة لا تستقيم إلا بهذه الفردية..
قال: ولكن الفردية التي
ولدت في ذلك الوقت كانت انحرافا خطيرا.. ذلك أنها ولدت في ظل الجاهلية المنحرفة..
لقد ذاق هؤلاء جميعاً
فرديتهم المستقلة (المتحررة) من غير طريقها السوى، الذى كان يضمن لهم ـ مع الإحساس
بالذاتية المتميزة ـ توازناً فى الإحساس بالحقوق والتبعات، والحرية والالتزام.
فسكان المدينة الجدد كانوا
ـ رويداً رويداً ـ قوماً يتحللون من الدين والأخلاق والتقاليد، بتأثير الانتقال من
الكبت العنيف فى الريف إلى (حرية) المدينة وبحبحتها، وبتأثير الانسلاخ التدريجى
الدائم من الدين، وبتأثير التفسير الحيوانى للإنسان الذى بثته الداروينية فى
النفوس؛ وبتأثير التفسير الجنسى للسلوك الذى بثه فرويد؛ وبتأثير وجود الشباب
الفاره القوة بلا أسر