ونسائهم
يتضاغون جوعاً وطعامهم الأوراق والجلود.. فما صده ذلك عن دينه.
وعندما رأت قريش صلابته مع أنواع الأذى التي كانت
تكيلها له جربت أساليب أخرى، فأرسلت عتبة بن ربيعة ـ وهو رجل رزين هادىء ـ فذهب إلى
رسول الله (ص) يقول: (يا ابن أخي، إنك
منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم،
فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها:
إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من
أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سوّدناك علينا فلا نقطع أمراً
دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا
تستطيع ردَّه عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ)
فلما فرغ من قوله تلا رسول الله (ص) عليه صدر سورة فصِّلت من قوله تعالى:﴿ حم تَنزِيلٌ مِنْ
الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا
يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي
آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا
عَامِلُونَ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوه ُوَوَيْلٌ
لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ
كَافِرُونَ﴾ (فصلت:1 ـ 7) حتى وصل إلى قوله تعالى:﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ
أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾
(فصلت:13)
ما إن سمع عتبة إلى هذه الآيات حتى وضع يده على
جنبه وقام كأن الصواعق ستلاحقه، وعاد إلى قريش يقترح عليها أن تدع محمداً وشأنه!!
وأرسلوا وفدا إلى أبي طالب، يقولون له: (يا أبا
طالب إن ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلَّل آباءنا،
فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما