عبد القادر: ومن ذلك ما أخبر به
القرآن الكريم عن ألوان العداوة التي تقع كل حين بين الطوائف المسيحية ([272])، قال تعالى:﴿
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيـمٍ﴾ (مريـم:37)، وقال تعالى:﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا
نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (المائدة:14)
فالآية الأولى تبين أن المسيحيين انقسموا
أحزاباً، بعض هذه الأحزاب أقرب إلى الحق من البعض الآخر.
والآية الثانية تبين أن فريقاً من
المسيحيين قد نسوا كثيراً من تعاليم دينهم مما كان سبباً في أن أصبح بعضهم لبعض
عدواً.
وأن هذه العداوة لن تزول، ولكنها ستستمر
حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ولكي نرى مدى صدق هذه النبوءة في مجال
حقائق التاريخ يجب علينا أن نتتبع سيرة المسيحية من بدء ظهورها حتى الآن وسنجد
حينئذ أن هذا التاريخ لم يحِد يوماً عن منطوق هاتين الآيتين، بل سار على نهجهما
وتَرَسَم خطاهما.
فقد بدأت النصرانية في فلسطين واحتكت
أول الأمر باليهودية التي اضطهدت دعاتها، فرحل بعضهم إلى الإسكندرية ورحل آخرون
إلى روما.
وقد أخذت المسيحية تنتشر في الإمبراطورية
الرومانية انتشاراً سريعاً وأخذ الأباطرة في بادئ الأمر يضطهدون معتنقيها، ولكن
الاضطهاد لم يزد المسيحية إلا انتشاراً وقوة حتى أصبح عدد المسيحيين أكثر من
الوثنيين فجعلها (قسطنطين) دين الدولة الرسمي، ولما تولى(ثيودوسيوس) أخذ يحارب
الوثنية، فأغلق معابدها وجعل الناس يُعَمَدّون قسراً.
ومع ذلك، فلم يلبث المسيحيون أن انقسموا
فرقاً اشتد الخلاف بينها اشتداداً صحبه اضطراب في الأمن مما اضطر الأباطرة إلى
التدخل بينها ومناصرة بعضها عل البعض الآخر، وانقسموا إلى ثلاثة فرق: الملكانية
والنسطورية واليعاقبة.
والملكانيون هم اتباع أريوس الذي قال بأن
المسيح مخلوق، وليس مولوداً من الأب،
[271] انظر:كتاب
نهاية إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، خالد عبد الواحد.
[272] انظر: كتاب
القرآن والعلم، تأليف أحمد محمد سليمان، دار العودة بيروت.