ولكننا نعرف جيدا أن هذا
لا يحدث؛ وهذا الواقع يؤكد أن (الإنسان) أو (الحياة الإنسانية) شيء آخر غير الجسم،
وهي باقية رغم تغير الجسم وفنائه، وهو كنهر مستمر فيه سفر الخلايا بصفة دائمة.
كان على وجه داروين كثير
من السرور بكلام علي، ولكنه ـ ونتيجة لما لقنه من ثقافة لم يستطع الجمع بينها وبين
ما يقول علي ـ راح يدافع عن أفكاره بكل ما أوتي من قوة، قال: لا يمكن
التسليم بهذا الاستدلال، فالعقل، أو الوجود الداخلي الذي نسميه (إنسانا) ليس بشيء
آخر، ولم يوجد إلا نتيجة علاقة الجسم بالعالم الخارجي، أما الأفكار والأماني فلا
توجد خلال العمل المادي إلا كالحرارة التي توجد نتيجة احتكاك قطعتين من حديد.
إن العقل والمنطق ينكران
(الروح) بشدة، و(الشعور) لا يوجد كوحدة، وإنما هو وظيفة، وتفاعل وتنسيق.
علي: ما دمت تقول هذا، وما
دمت تعتبر أن هذه هي حقيقة الإنسان، فلنجرب أن نخلق إنسانا حيا ذا شعور، ونحن ـ
اليوم ـ نعرف بكل وضوح جميع العناصر التي يتألف منها جسم الإنسان، وهذه العناصر
توجد في الأرض وفي الفضاء الخارجي، بحيث يمكننا الحصول عليها.
سكت داروين، فقال علي:
دعنا من هذا.. وربما سترى في مستقبل أيامك من يثبت لك وجود الروح بالمنطق الذي تفهمه..
أما نحن الذين من الله علينا بالثقة فيه، فنعلم أن لنا أرواحا تبقى بعد اختلاط
أجسادنا بالتراب.. ونعلم كذلك أن هذه الروح من أمر الله:﴿ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ
الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ
إِلَّا قَلِيلاً} (الاسراء:85)
إن الله يخاطبنا في هذه
الآية بالمنطق العقلي.. فالعالم لن يكون عالما حتى يعلم أنه لم يؤت من