ولو كان الأمر كذلك،
فإذن ما هي الوحدات الوراثية المسؤولة عن عملية التوريث؟ لأن هناك فرضيات تثبت
وجودها، ولم يستطع أحد الإجابة عن هذا السؤال.
التفت إلى داروين، ثم قال:
إن الادعاء بكون الأنماط قابلة للتوارث أمر غير مقبول علمياً، فبناء الطيور
لأعشاشها وإنشاء القندس للسدود وإفراز عاملات نحل العسل للشمع يقتضي وجود نوع من
الأنماط السلوكية المعقدة، كالتصميم والتخطيط للمستقبل، وهذه لا يمكن توارثها عبر
الأجيال.
دعنا من كل هذا.. هناك
مثال آخر يفرض نفسه بشدة.. وهو المتعلق بسلوك العاملات القاصرات في مملكة النمل.
فهذه العاملات لها سلوك
خاص تتميز به يتطلب منها أن تكون على دراية تامة بالحساب وذات خبرة واسعة، قد ترجع
الأمر إلى الوراثة.. ولكنك تصطدم بأن هذه الأنماط السلوكية لعاملات النمل لا يمكن
أن تكتسب بالتوارث لسبب وحيد هو كونها قاصرات، ولا يمكن لها التكاثر لذا لا
تستطيع توريث هذه الأنماط السلوكية لأجيال لاحقة.
وما دام الأمر بهذه
الصورة كيف تسنى لأول نملة عاملة قاصرة أن تورث هذه الأنماط السلوكية لأجيال لاحقة
من العاملات القاصرات وهي بالتأكيد لا تستطيع التكاثر؟
ولا يمكننا القول بأن
هذه المخلوقات قد بذلت جهداً في اكتساب هذه الأنماط السلوكية لأنها تبدأ في اتباع
هذا السلوك منذ اللحظات الأولى لوجودها على وجه الأرض بأكمل صورة.