ومن ثمَّ قال
المناطقة في حَدِّ الإنسان: حيوان ناطق.. والناطقية - هنا - هي العقل وعمل المخ من
الإنسان، وكان شيوخنا في الفلسفة يحكون لنا عن سقراط أنه كان يقول للرجل العملاق:
يا هذا، كلمني حتى أراك.. أي حتى أراك إنسانا حقيقيا؛ فربما لا يكون له من
الإنسانية إلا الصورة، وكونه عملاقا زيادة في الصورة لا في حقيقة الإنسانية.. وقد
كان حكماء العرب يقولون فيمن لم يكمل عقله من العماليق: أجسام البغال وأحلام
العصافير.
وبهذا، فإن المسألة في حقيقتها
ليست أكثر من تحصيل المعارف وإخراجها.. ولا أعني بذلك أنه لا تمييز بين حقيقة
السمع والبصر والذوق والشم واللمس من جهة، وبين العلم الحاصل للإنسان من جهة أخرى،
ولا بين ذلك كله وبين الكلام من جهة ثالثة.. فإنه من المكابرة أن يقول قائل: إن
معنى (سمع) هو معنى (علم) بلا فاصل.. أو إن معنى (أبصر) هو معنى (علم) بلا فاصل..
أو أن معنى (الكلام) هو معنى (العلم) بلا فاصل.
وإن المتاح لنا من خلال ما
ذكرته بصورة مختصرة، هو القول بأن السمع في الإنسان هو العلم الحاصل من طريق الأُذُن
بالأصوات وصفاتها المختلفة من الشدة والرخاوة والجهر والهمس؛ لأن الإنسان بطبيعته
المجردة لا يدرك الصوت إلا من طريق هذه الحاسة.. وكذلك القول في البصر بأنه هو
العلم الحاصل من طريق العين بالموجودات الملونة وإدراك طولها وعرضها وكونها ساكنة
في مكان أو متحركة عنه؛ لأن الإنسان بطبيعته المجردة لا يدرك الملون إلا من طريق
هذه الحاسة.. وكذلك القول في سائر الحواس..
وقد قيدت هذا بأن يكون الإدراك
بمجرد ما خلقه الله تعالى للإنسان في جسمه من الحواس؛ لأن نتاج حضارتنا الحديثة
قَدَّم لنا ما يغير في معطيات الحواس ما يشبه ما كنا ندرسه في الأدب تحت عنوان
(تراسل معطيات الحواس)؛ فصار بإمكان الإنسان المعاصر أن يرى الصوت، وأن يميز بعينه
بين بصمة صوتية وأخرى، وأن يميز بين الصور الطيفية للأصوات المختلفة في إطار