أزلا وأبدا من
حيث ذاته لا يستحق الوجود، ومن جهته يستحق، فهو باطل بذاته حق بغيره.
والمعرفة
بالله حق في نفسها، لأنها مطابقة للمعلوم أزلا وأبدا، ومطابقتها لذاتها لا لغيرها،
بخلاف العلم بوجود غيره، فإنه لا يكون إلا ما دام ذلك الغير موجودا، فإذا عدم عاد
ذلك الاعتقاد باطلا، وذلك الاعتقاد أيضا لا يكون حقا لذات المعتقد لأنه ليس موجودا
لذاته، بل هو موجود لغيره.
والشهادة لله
بالوحدانية وغيرها هي أحق الأقوال لأن الناطق بها صادق أبدا وأزلا، لذاته لا لغيره..
قام الثاني، وكان اسمه (طاليس)،
وقد كان شديد الولع بجده الفيلسوف الكبير (طاليس)
([144])..
وكان في كل أحاديثه معنا يردد ما كان يردد جده من أن أنّ الماء هو أصل الأشياء
ومبدؤها، منه بدأت وإليه تنحل، وأنه هو الجوهر الأساس الذي تولدت عنه كل
الموجودات، وأنّه قابل لكل صورة، ومنه أبدعت الجواهر كلها من السماء والأرض وما
بينهما، وأنه هو علّة كل مبدع([145])،
[144] (طاليس) (550 -624ق.م) وهو من أَوّل وأشهر فلاسفة اليونان، وهو أحد
الحكماء السبعة، درس العلوم دراسة عميقة، عمل مهندساً بحرياَ، واستطاع أن يضع
تقويماً بحرياً للملاحين يحتوي على إرشادات وقواعد فلكية كانت لها آثارها القيمة
في تاريخ الملاحة البحري. (انظر الفلسفة اليونانية:بيصار ص 55 ، الفلسفة اليونانية
حتى أفلاطون:د.عزت قرني ص.24)
[145] هو يريد بهذا أن الماء هو مبدأ التركيبات الجسمانية، لا المبدأ
الأول في الموجودات العلوية.. لكنه لما أعتقد أنّ العنصر الأول هو قابل كل صورة ،
أي منبع الصور كلها ، فأثبت في العالم الجسماني له مثالا يوازيه في قبول الصور
كلها، ولم يجد عنصراً على هذا النهج، مثل الماء فجعله المبدع الأول في المركبات،
وأنشأ منه الأجسام والأجرام السماوية والأرضية.( الملل والنحل 3/121)