ولهذا كنت
أعتقد أن الإله الكامل المطلق الكمال: لا يعنيه أن يخلق العالم، أو يخلق مادته
الأولى، وهي الهيولي ولكن لهذه الهيولي قابلية للوجود، يخرجها من القوة إلى الفعل
شوقها إلى الوجود الذي يفيض عليها من قبل الإله، فيدفعها هذا الشوق إلى الوجود، ثم
يدفعها من النقص إلى الكمال المستطاع في حدودها، فتتحرك وتعمل بما فيها من الشوق
والقابلية ولا يقال عنها: إنها من خلقة الله إلا أن تكون الخلقة على هذا الاعتبار.
ولهذا، فقد
كنت أعتقد أن الله يعقل ذاته ولا يعقل ما دونها، ويتنزه عن الإرادة لأن الإرادة
طلب في رأيه، والله كمال لا يطلب شيئا غير ذاته، ويجل عن علم الكليات والجزئيات،
لأنه يحسبها من علم العقول البشرية، ولا يعني بالخلق رحمة ولا قسوة.. لأن الخلق
أحرى أن يطلب الكمال بالسعي إليه.
قلنا: فهذه هي
العقيدة التي تريد أن تلقننا إياها؟
قال: لا.. لا..
لقد ذكرت لكم أن هذه هي بداية حياتي.. أو هي بداية مراحل تفكيري.
قلنا: ولكن
هذه هي نهاية أفكار أرسطو.. ألم تكتف بما انتهى إليه؟
قال: لقد كنت
مكتفيا.. بل كنت مغرورا في اكتفائي إلى أن التقيت برجل حطم ما بنيته أو ما بناه لي
أرسطو.. لقد كان رجلا عظيما.. ولكن صحبتي له للأسف كانت كالبرق الذي يضيء، ثم
سرعان ما يختفي.
وما ندمت عليه
هو أنني بغروري وأحلامي انصرفت عنه، واتبعت تلك التقسيمات والتصنيفات التي لم تغن
عني شيئا.