بخيل
لا ينفق) أنزل الله تعالى قوله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ
مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ( المائدة:
64) ؛ فطردهم الله من رحمته بمقالتهم المنكرة، وعاقبهم قبل ذلك بأن جعل هذا الوصف
لازمًا لهم في الدّنيا ؛ فغلّت أيديهم، وكانوا أبخل النّاس وأجبنهم.
ولهذا أنكر
الله مقالة اليهود، وعظّم فريتهم، وأوعدهم عليها بأعظم العقوبات ؛ فحين قال فنحاص
بن عازوراء: (إِنَّ الله فقير ونحن أغنياء يقترض منّا)، أنزل الله تعالى قوله:
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ
أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ( البقرة: 181) ؛ فأوعدهم على هذه
المقالة المنكرة، وعلى رضاهم بأفعال أسلافهم الشّنيعة ؛ وهي قتل الأنبياء تمرّدًا
وعنادًا لا جهلاً وضلالاً، أوعدهم على ذلك بأعظم العقوبات ؛ وهي النيران المحرقة،
الَّتي تطّلع على الأفئدة ؛ جزاءً وفاقًا، وما ربّك بظلاّم للعبيد.
وأسماء الله
الحسنى تبطل ظنون السوء الَّتي ظنّتها يهود بربّ العالمين ؛ فإنّ من أسمائه
الغنيّ، والجواد، والوهّاب، والكريم، والواجد، والمجيد، والواسع، وهي كلّها تدل
على كمال غنى الربّ وجوده، قال تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا
فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ( النِّساء:
131) ؛ أي أنّ له الغنى التامّ من كلّ الوجوه ؛ لكماله، ومن سعة غناه أنّ خزائن
السموات والأرض بيديه، وأنّ جوده على خلقه متواصل في جميع اللحظات.
وجود الله
تعالى على خلقه نوعان:
أما أولهما،
فهو الجود المطلق عن أي قيد؛ ولا يخلو عنه مخلوق من المخلوقات ؛ فإن الله وسع غناه
كلّ فقر، وعمّ جوده جميع الكائنات، قال تعالى: وَمَا بِكُمْ
مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ( النّحل: 53)