نام کتاب : الفصل في الملل والأهواء والنحل نویسنده : ابن حزم جلد : 5 صفحه : 75
السامع المتكلم الحساس الذائق هو شيء غير الجسد فصح أن المسمى نفسا إذ لا شيء غير ذلك وكذلك ما تتخيله نفس الأعمى والغائب عن الشيء مما قد رآه قبل ذلك فيتمثله ويراه في نفسه كما هو فصح يقينا أن ههنا متمثلا مدركا غير الجسد إذ لا أثر للجسد ولا للحواس في شيء مما ذكرنا البتة ومنها أنك ترى المريد يريد بعض الأمور بنشاط فإذا اعترضه عارض ما كسل والجسم يحسبه كما كان لم يتغير منه شيء فعلمنا أن ههنا مريدا للأشياء غير الجسد ومنها أخلاق النفس من الحلم والصبر والحسد والعقل والطيش والخرق والنزق والعلم والبلادة وكل هذا ليس لشيء من أعضاء الجسد فإذ لا شك في ذلك فإنما هو كله للنفس المدبرة للجسد ومنها ما يرى من بعض المحصرين ممن قد ضعف جسده وفسدت بنيته وتراه حينئذ أجد ما كان ذهنا وأصح ما كان تمييزا وأفضل طبيعة وأبعد عن كل لغو وأنطق بكل حكمة وأصحهم نظرا وجسده حينئذ في غاية الفساد وبطلان القوى فصح أن المدرك للأمور والمدبر للجسد الفعال المميز الحي هو شيء غير الجسد وهو الذي يسمى نفسا وصح أن الجسد مؤد للنفس ولها مدخلات في الجسد كأنها وقعت في طين مخمر فأنساها شغلها بها كلما سلف لها وأيضا فلو كان الفعل للجسد لكان فعله متماديا وحياته متصلة في حال نومه وموته ونحن نرى الجسد حينئذ صحيحا سالما لم ينتقض منه شيء من أعضائه وقد بطلت أفعاله كلها جملة فصح أن الفعل والتمييز إنما كان لغير الجسد وهو النفس المفارقة وإن الفعال الذاكر قد باينه وتبرأ منه وأيضا فإننا نرى أعضاء الجسد تذهب عضوا عضوا بالقطع والفساد والقوى باقية بحسبها والأعضاء قد ذهبت وفسدت ونجد الذهن والتدبير والعقل وقوى النفس باقية أو فر ما كان فصح ضرورة أن الفعال العالم الذاكر المدير المريد هو غير الجسد كما ذكرنا وأن الجسد موات فبطل قول ابن كيسان والحمد لله رب العالمين وأما قول من قال أنها مزاج كما قال جالينوس فإن كل ما ذكرنا مما أبطلنا به قول أبي بكر بن كيسان فإنه يبطل أيضا قول جالينوس وأيضا فإن العناصر الأربعة التي منها تركب الجسد وهي التراب والماء والهواء والنار فإنها كلها موات بطبعها ومن الباطل الممتنع والمحال الذي لا يجوز البتة أن يجتمع موات وموات وموات وموات فيقوم منها حي وكذلك محال أن تجتمع بوارد فيقوم منها حار أو حوار فيجتمع منها بارد أو حي وحي وحي فيقوم منها موات فبطل أن تكون النفس مزاجا وبالله تعالى التوفيق
75
نام کتاب : الفصل في الملل والأهواء والنحل نویسنده : ابن حزم جلد : 5 صفحه : 75