نام کتاب : الفصل في الملل والأهواء والنحل نویسنده : ابن حزم جلد : 5 صفحه : 132
وكم رأينا من الموقنين بخلود العاصي في النار المحققين لذلك يقر على نفسه أنه يفعل ما يخلد به في النار فإن قالوا أن هؤلاء يستلذون ما يفعلون من ذلك قلنا لهم أن استلذاذ من يدين بشيء ما يبصره لما يدين به وتعصبه له أشد من استلذاذ الأكل والشرب لما يدري أنه يبلغه من ذلك ثم نقول لهم أخبرونا عن قولكم هذا أنه ليس ههنا قول سطعت حجته ولو كان لما اختلف الناس فيه أحق وهي هذه القضية التي قطعتم بها وهل قولك هذا ظاهر الحجة متيقن الحقيقة أم لا فإن قالوا لا أقروا بأن قولهم لم تصح حجته ولا لاح برهانا وأنه ليس حقا ما قالوه وأن قالوا بل هو حق قد لاحت حجته قلنا لهم كيف خولفتم في شيء لاحت حجته حتى صار أكثر أهل الأرض يعمون عما لا شك فيه عندكم وعن ما لاح الحق فيه حتى اعتقدوا فيكم الضلال والكفر وإباحة الدم وهذا هو نفس ما أنكروا قد صرحوا أنه حق والحمد لله رب العالمين وأما احتجاجهم بانتقال من ينتقل من مذهب إلى مذهب وتهالكه في إثباته ثم تهالكه في إبطاله ورومهم أن يفسدوا بهذا جميع البراهين فليس كما ظنوا لأن كل متنقل من مذهب إلى مذهب فلا يخلو ضرورة من أحد ثلاثة أوجه أما أن يكون انتقل من خطا إلى خطا أو من خطا إلى صواب أو من صواب إلى خطأ وأي ذلك كان فإنما أتى في الانتقالين الاثنين الذين هما إلى الخطأ من أنه لم يطلب البرهان طلبا صحيحا بل عاجزا عنه بأحد الوجوه التي قدمنا قبل وأما الانتقال إلى الصواب فإنه وقع عليه بحد صحيح وطلب صحيح أو بحد وبحث وهذا يعرض فيما يدرك بالحواس كثيرا فيرى الإنسان شخصا من بعيد فيظنه فلانا ويحلف عليه ويكابر ويجرد ثم تبين له أنه ليس هو الذي ظن وقد يشم الإنسان رائحة يظنها من بعض الروائح ويقطع على ذلك ويحلف عليه مجدا ثم يتبين له أنه ليس هو الذي ظن وهكذا في الذوق أيضا وقد يعرض هذا في الحساب فقد يغلط الحاسبون في جمع الأعداد الكثيرة فيقول أحدهم أن الجميع من هذه الأعداد كذا وكذا ويخالفه غيره في ذلك حق إذا بحثوا بحثا صحيحا صح الأمر عندهم وقد يعرض هذا للإنسان فيما بين يديه يطلب الشيء بين متاعه طلبا مرددا المرء بعد المرء فلا يجده ولا يقع عليه وهو بين يديه ونصب عينيه ثم يجده في أقرب مكان منه وقد يكتب الإنسان مستمليا أو يقرأ فيصحف ويزيد وينقص وليس هذا بموجب ألا يصح شيء بإدراك الحواس أبدا ولا ألا يصح وجود الإنسان شيئا افتقده أبدا ولا ألا يصح
132
نام کتاب : الفصل في الملل والأهواء والنحل نویسنده : ابن حزم جلد : 5 صفحه : 132