نام کتاب : الفصل في الملل والأهواء والنحل نویسنده : ابن حزم جلد : 5 صفحه : 119
بخلاف سائر الأمم ولا رهان على هذا وقال النظام أن خبر التواتر لا يضطر لأن كل واحد منهم يجوز عليه الغلط والكذب وكذلك يجوز على جميعهم ومن المحال أن يجتمع ممن يجوز عليه الكذب وممن يجوز عليه الكذب من لا يجوز عليه الكذب ونظر ذلك بأعمى وأعمى وأعمى فلا يجوز أن يجتمع مبصرون قال أبو محمد وهذا تنظير فاسد لأن الأعمى ليس فيه شيء من صحة البصر وليس كذلك المخبرون لأن كل واحد منهم كما يجوز عليه الكذب كذلك يجوز عليه الصدق ويقع منه وقد علم بضرورة العقل أن اثنين فصاعدا إذا فرق بينهما لم يمكن البتة منهما أن يتفقا على توليد خبر كاذب يتفقان في لفظه ومعناه فصح أنهما إذا أخبرا بخبر فاتفقا فيه أنهما أخبرا عن علم صحيح موجود عندهما ومن أنكر هذا لزمه أن لا يصدق بشيء من البلاد الغائبة عنه ولا بالملوك السالفين ولا بالأنبياء وهذا خروج إلى الجنون بلا شك أو إلى المكابرة في الحس وبالله تعالى التوفيق فإن قال قائل كيف أجزتم ههنا إطلاق اسم الضرورة والاضطرار ومنعتم من ذلك في أفعال الفاعلين عند ذكركم الاستطاعة وخلق الله تعالى أفعال العباد وكل ذلك عندكم خلق الله تعالى في عباده قلنا أن الفرق بين الأمرين في ذلك لائح وهو أن الفاعل متوهم منه ترك فعله لو اختار تركه وممكن منه ذلك وليس ممكنا منه اعتقاد خلاف ما تيقنه بأن يرفع عن نفسه تحقيق ما عرف أنه أحق فهكذا أوقعناها هنا اسم الاضطرار ومنعناه منه هنالك وبالله تعالى نتأيد الكلام على من قال بتكافؤ الأدلة قال أبو محمد ذهب قوم إلى القول بتكافؤ الأدلة ومعنى هذا أنه لا يمكن نصر مذهب على مذهب ولا تغليب مقالة على مقالة حتى يلوح الحق من الباطل ظاهر بينا لا أشكال فيه بل دلائل كل مقالة فهي مكافئة لدلائل سائر المقالات وقالوا كل ما ثبت بالجدل فإنه بالجدل ينقض وانقسم هؤلاء إلى أقسام ثلاثة فيما أنتجه لهم هذا الأصل فطائفة قالت بتكافؤ الأدلة جملة في كل ما اختلف فيه فلم تحقق الباري تعالى ولا أبطلته ولا أثبتت النبوة ولا أبطلتها وهكذا في جميع الأديان والأهواء لم تثبت شيئا من ذلك ولا أبطلته إلا أنهم قالوا أننا نوقن أن الحق في أحد هذه الأقوال بلا شك إلا أنه غير بين إلى أحد البتة ولا ظاهر ولا متميز أصلا
119
نام کتاب : الفصل في الملل والأهواء والنحل نویسنده : ابن حزم جلد : 5 صفحه : 119