إنما هذه نماذج من أبسط آثار العلم والحكمة ، غير المحتاجة إلى دقة النظر { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [1] ، فكيف إذا وصلنا إلى أعماق أسرار الخلقة ، التي تحتاج إلى تخصص في علم وظائف الأعضاء وتشريحها ، واستعمال الأجهزة الدقيقة والتفكير العميق { أو لم يتفكروا في أنفسهم } [2] . أجل ، إن هذا الموجود الذي لم يكتشف العلماء إلى الآن الأسرار الكامنة في خلقة جلده وقشره الظاهر على بدنه ، رغم جهودهم الكبيرة لمعرفتها ، فماذا عن عجائب لبه وباطنه ، من قوة شهوته لجلب ما يلائمه ، وقوة غضبه لحفظ الملائم ودفع المنافر ، إلى طاقة عقله التي تقوم بالمعادلة بين القوتين عمليا وتهدي الحواس نظريا { و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } [3] . أي قلم علم وقدرة كتبت هذا الكتاب الملئ بالحكمة على قطرة ماء ؟ ! { فلينظر الانسان مم خلق * خلق من ماء دافق } [4] ، { يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمت ثلث } [5] . وأي علم وقدرة وحكمة خلفت من ذرة سابحة في ماء مهين بشرا سويا يتطلع بشعلة عقله وإدراكه إلى فهم أعماق الآفاق والأنفس { إقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم } [6] ، ويتخذ الأرض والسماء ميدانا
[1] سورة الذاريات : 21 . [2] سورة الروم : 8 . [3] سورة النحل : 18 . [4] سورة الطارق : 5 ، 6 . [5] سورة الزمر : 6 . [6] سورة العلق : 3 ، 4 ، 5 .