أتقاتلني وأنا ابن من علمت ؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي ، فإنه أقرب لك إلى الله تعالى ، فقال عمر بن سعد : أخاف أن يُهدم داري ، فقال الحسين ( عليه السلام ) : أنا أبنيها لك ، فقال : أخاف أن تؤخذ ضيعتي ، فقال الحسين ( عليه السلام ) : أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز ، فقال : لي عيال وأخاف عليهم ، ثم سكت ولم يجبه إلى شيء ، فانصرف عنه الحسين ( عليه السلام ) وهو يقول : مالك ؟ ذبحك الله على فراشك عاجلا ، ولا غفر لك يوم حشرك ، فوالله إني لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلاّ يسيراً ، فقال ابن سعد : في الشعير كفاية عن البرِّ ، مستهزئاً بذلك القول . قال الشيخ المفيد عليه الرحمة ، وورد كتاب ابن زياد في الأثر إلى عمر بن سعد أن : حُلْ بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، ولا يذوقوا منه قطرة كما صُنع بالتقي الزكي عثمان بن عفان ، فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجاج في خمسمائة فارس ، فنزلوا على الشريعة ، وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، ومنعوهم أن يُسقوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسين ( عليه السلام ) بثلاثة أيام . ونادى عبد الله بن حصين الأزدي - وكان عداده في بجيلة - قال بأعلى صوته : يا حسين ! ألا تنظرون إلى الماء كأنه كبد السماء ، والله لا تذوقون منه قطرة واحدة ، حتى تموتوا عطشاً ، فقال الحسين ( عليه السلام ) : اللهم اقتله عطشا ، ولا تغفر له أبداً ، قال حميد بن مسلم : والله لعدته في مرضه بعد ذلك ، فوالله الذي لا إله غيره ، لقد رأيته يشرب الماء حتى يبغر ( 1 ) ثمَّ يقيئه ويصيح : العطش العطش ، ثمَّ يعود ويشرب حتى يبغر ، ثمَّ يقيئه ويتلظَّى عطشاً ، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ نفسه . ولما رأى الحسين ( عليه السلام ) نزول العساكر مع عمر بن سعد بنينوى ومددهم لقتاله ، أنفذ إلى عمر بن سعد : أنني أريد أن ألقاك ، فاجتمعا ليلا ، فتناجيا طويلا ، ثمَّ رجع عمر إلى مكانه ، وكتب إلى عبيد الله بن زياد : أمّا بعد ، فإن الله قد أطفأ
1 - يقال : بغر البعير وكذا الرجل - كقطع وعلم - بغراً : شرب فلم يرو ، فهو بغير وبغر .