قال : ( ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما ) . أي ، وجودا وعلما . فإن الرحمة العامة هو الوجود العام لجميع الأشياء ، وهو النور المذكور في قوله تعالى : ( الله نور السماوات والأرض ) . الذي به يظهر كل شئ من ظلمة العدم . ( وأوجب بالرحيم ) المخصص على نفسه أن يوصل كلا من الأعيان إلى ما يقتضيه استعداده . ولما كان هذا الإيجاب أيضا منة منه تعالى على عباده ، قال : ( و هذا الوجوب من الامتنان ) أي ، من الرحمة الامتنانية ، إذ ليس للمعدوم أن يوجب شيئا على الحق فيما يوجده ، ويمكنه من الطاعات والعبادات . فدخل الرحمة الرحيمية في الرحمة الرحمانية دخول الخاص تحت العام . ( فإنه كتب على نفسه الرحمة سبحانه ، ليكون ذلك للعبد بما ذكره الحق من الأعمال التي يأتي بها هذا العبد حقا على الله أوجبه له على نفسه يستحق بها هذه الرحمة ، أعني رحمة الوجوب . ) هذا تعليل لقوله : ( وهذا الوجوب من الامتنان ) . وذلك إشارة إلى وجوب الرحمة على نفسه . و ( حقا ) منصوب بقوله : ( ليكون ) . أي ، إيجاب الحق على نفسه الرحمة للعباد من الامتنان ، لأنه كتب وفرض على نفسه الرحمة ، ليكون ذلك حقا على الله للعبد في مقابلة أعماله التي كلفه بها مجازاة له وعوضا عن عمله ، وذلك على سبيل الامتنان . فإن العبد يحب عليه طاعة سيده والإتيان بأوامره ، فإذا أعطاه شيئا آخر في مقابلة أعماله ، يكون ذلك رحمة للعبد وامتنانا منه عليه . فقوله : ( أوجبه ) أي ، أوجب ذلك الوجوب الحق للعبد على نفسه ، ليستحق العبد بها ، أي بتلك الأعمال ، الرحمة التي أوجبها الحق على نفسه امتنانا . ( ومن كان من العبيد بهذه المثابة ، فإنه يعلم من هو العامل منه ) وفي بعض النسخ : ( به ) . أي ، ومن كان من العبيد بمثابة أن يكون الحق موجبا على نفسه الرحمة له ، يكون ذا نور من الله منور القلب به محبوبا ، كما قال تعالى : ( فسأكتبها للذين يتقون ) . ومن كان كذلك ، يكون الحق سمعه وبصره ، كما نطق به الحديث . فيعلم يقينا أن العامل الحقيقي من نفس العبد هو الحق الذي