قوله : ( ( أما بعد ، فإني رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في مبشرة [34] أريتها في العشر الآخر من المحرم لسنة سبع وعشرين وستمأة ) هذا تمهيد عذر لإظهار هذا الكتاب إلى الخلق ، فإن الأولياء أمناء الله تعالى ، والأمين لا بد له من أن يحفظ الأسرار التي أؤتمن عنده ويصونها عن الأغيار ، كما قال : يقولون خبرنا فأنت أمينها وما أنا إذ خبرتهم بأمين اللهم إلا أن يؤمروا بإظهارها ، فحينئذ يجب عليهم الإظهار والإخبار . و لما كانت الرؤية إما بالبصيرة أو بالبصر ، والكمل لهم الظهور في جميع العوالم حيث ما شاء الله لعدم تقيدهم في البرازخ كتقيد المحجوبين ، نبه أنها كانت في ( مبشرة ) ، أي في رؤيا مبشرة ، وهي لا يكون إلا بالبصيرة ، وهي عين الباطن . قال ، عليه السلام ، عند إخباره عن انقطاع الوحي : ( لم تبق بعدي من النبوة إلا المبشرات . فقالوا : ( وما المبشرات يا رسول الله ؟ ) قال : ( الرؤيا الصالحة
[34] - ( المبشرة ) الريح التي تبشر بالغيث . وفي عرفهم يطلق على ما يرى السالك من الصور المثالية المبشرة بجلائل الفتوحات . ثم إن الفيض الواصل إلى العبد له مدرجتان : إحديهما ، من الرحمة الوجوبية التي يسلك إليها العبد بمساعي قدمي جده واجتهاده وعلمه وأعماله ، والثانية ، من الرحمة الامتنانية التي تنساق إلى العبد بدون توسل عمل منه و لا توسط سعى واجتهاد . وفي عبارتي : ( رأيت ) و ( أريت ) ما يدل على أن الفيض المذكور لجلالة قدره جامع بين نوعيهما حائز لكمالهما . ( س ) . - ( قيل في تفسير ( المبشرة ) أي مغيرة لصورة البشرة من حزن وكرب إلى فرح وسرور . وهو من قوله ، عليه السلام : ( ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ) . وذلك في عالم التجريد عن العلائق البشرية وتبديل الصورة الحيوانية بالصورة الإنسانية . وسبب ذلك ركود الحواس وصفاء الروحانية إما بالمنام المعروف أو باليقظة الحقيقية ) . ( عبد الغنى النابلسي ) .